لم تظهر أي بوادر على انفراج الأزمة السياسية في لبنان أمس مع مواصلة المعارضة حملة احتجاجها لإسقاط الحكومة، في وقت حذر رئيس مجلس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة أمس من المحاولات الانقلابية التي تفكر فيها المعارضة، رافضاً اتهامات الخيانة التي يوجهها إليه حزب الله الذي ألمح إلى خطوات تصعيدية بينها العصيان المدني وتعطيل العمل في المؤسسات الرسمية، مستبعداً إمكان حصول مبادرات عربية، بسبب ما أسماه دخول بعض الدول العربية على خط الأزمة كطرف وليس كراعي حلول.
وأكد السنيورة على أن الحكومة صامدة ولن تستقيل، قائلاً إن الحل لأي مشكلة لا يأتي عن طريق الشارع على الإطلاق. وشدد على أن «مقر رئاسة الحكومة هو بيت كل اللبنانيين»، رافضاً اتهامات التخوين، وتساءل: «كيف يمكن أن تكون حكومة المقاومة هي نفسها حكومة فيلتمان؟» في رد على وصف الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله الذي وصف الحكومة بأنها حكومة السفير الأميركي جيفري فيلتمان. وشدد على أن المحكمة الدولية ستكون «رادعا لكل من تسول له نفسه أن يقدم على أعمال اغتيالات في المستقبل». وتساءل: «هل نسينا مزارع شبعا واستعادتها، وأصبح هم البعض محاصرة السرايا وترك شبعا وتحليق الطيران وخرق السيادة؟». ولفت إلى «أننا تعودنا على المحاولات الانقلابية في لبنان والعالم العربي، وعرفنا نتائجها، وكانت هناك محاولة في العام 1961، وعرفنا ما كانت النتيجة، والذي «يجرب المجرب يكون عقله مخرب».
وردا على سؤال بشأن صلاحيات رئيس الجمهورية، قال: «من الممكن أن يكون هناك من يلعب بعقل رئيس الجمهورية لممارسة صلاحيات كانت موجودة لرئيس الجمهورية قبل الطائف، هذا الموضوع انتهى، وبالتالي ليست من صلاحية لفخامة الرئيس في أي شيء من هذا القبيل، وألا يعتبر ذلك انقلاباً على الطائف»، في إشارة إلى شائعات عن أن رئيس الجمهورية اميل لحود يدرس فكرة إصدار قرار رئاسي بإقالة الحكومة.
وقال رئيس الوزراء اللبناني، بعد قداس على الوزير بيار أمين الجميل في السراي الحكومي: «نحن كحكومة نقدس حرية كل من يعبر عن رأيه، أما الحل لأي مشكلة فلا يأتي عن طريق الشارع على الإطلاق لان هذه الوسيلة قد تستجلب وسيلة مقابلة وبالتالي لا نصل إلى نتيجة».
وعن احتمال اقتحام السراي قال: «يتصور البعض أن الحل باقتحام السرايا، هذا ليس حلا، هذا مشروع مشكل طويل عريض وانا أعتقد أن هناك الكثير من العقلاء الذين يعرفون أن هذا الطريق لا يوصل إلى شيء». وأضاف: «أنا لن أرحل، وأنا جالس هنا طالما أتمتع بثقة مجلس النواب. أنا موجود هنا بثقة اللبنانيين وثقة المؤسسات الدستورية». وأكد على ان «الاتصالات مع رئيس مجلس النواب نبيه بري مستمرة وغير مقطوعة، والرئيس بري لديه دور وعليه مسؤولية... انه رجل وطني كبير ويعرف ما هي مسؤوليات مجلس النواب».
وعلى الجبهة المقابلة، أكد حزب الله مضيه مع فرقاء المعارضة في اعتصامهم في وسط بيروت إلى حين إسقاط حكومة السنيورة، وسط تلويح بخطوات تصعيدية ممكن اتخاذها من بينها تعطيل العمل في المؤسسات الرسمية، وانتهاج العصيان المدني، مستبعداً إمكان حصول مبادرات عربية، بسبب ما أسماه دخول بعض الدول العربية على خط الأزمة كطرف وليس كراعي حلول.
وقال النائب في كتلة حزب الله في البرلمان اللبناني حسين فضل الله لـ «البيان» إن شعار المعارضة واضح وهو تشكيل حكومة وحدة وطنية. وهذا لا يعني تهميش أو إلغاء أحد. واعتبر أن «الفريق الموجود في السلطة معزول، ومعطل وغير قادر على إدارة البلاد».
ولفت فضل الله إلى أن كيفية الوصول إلى حكومة الوحدة الوطنية يكون «من خلال إقرار الفريق الموجود في السلطة الآن بحق هؤلاء المعتصمين في أن يكونوا شركاء وأن يتم الاتفاق على تشكيل الحكومة وفق الآليات الدستورية المنصوص عليها في الدستور، لأننا الآن، من وجهة نظرنا التي تستند على نصوص الدستور، خصوصاً المادة التي تتحدث عن تشكيل الحكومة، فإن الحكومة الحالية فاقدة للشرعية، وبالتالي نحن أمام فراغ حقيقي على مستوى القرار السياسي».
وعن خشية فريق الأكثرية من تعطيل المعارضة لموضوع المحكمة الدولية التي ستحاكم قتلة رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، قال فضل الله إن «كل هواجس الفريق الآخر نوقشت على طاولة الحوار، وعولجت في النقاش بنداً بنداً، والمحكمة الدولية سحبت من الخلاف ولم تعد عقدة». لكنه أوضح أن «كل القرارات التي اتخذتها الحكومة بعد استقالة الوزراء الستة (خمسة شيعة ووزير البيئة المسيحي المحسوب على رئيس الجمهورية) قرارات غير دستورية وغير شرعية.
ونحن يمكن أن نعيد مسودة المحكمة إلى حكومة الوحدة الوطنية« في إشارة إلى المصادقة على قرار تشكيل المحكمة الدولية في قضية اغتيال الحريري.
وعن خشية أن من اتجاه الوضع إلى مسار يهدد السلم الأهلي، حمّل فضل الله فريق السلطات مسؤولية التحريض الخطاب المذهبي الذي اتهمها بممارسته، واعتبر أن ما يؤدي إلى حصول مشكلات في لبنان هو أن بعض الدول العربية تدعم فريقا على حساب آخر، واتهم «الدول العربية التي كانت تقوم بدور الوسيط بأنها أصبحت طرفاً، وهذا ما يعطل بمبادرات وبمساعٍ بين الفرقاء، بالتالي تفقد هذه الدورة دورها الحيادي والراعي للحلول».
وأكد نائب حزب الله على أن الاعتصام مفتوح ومستمر وسيتطور إلى حركات احتجاجية متصاعدة إلى حين الوصول إلى نتيجة، وحمل مسؤولية تزايد الانقسام وتعطيل الحياة الاقتصادية في البلد إلى «من يرفض الشراكة مع المعارضة». وشدد على ان التحركات ستبقى في إطار سلمي ديمقراطي، لكنه قال إن تطورها إلى حد تعطيل مؤسسات الدول «متروك إلى تطور حركة الاحتجاج الشعبي»، ولم يستبعد الوصول إلى حد العصيان المدني.
على الجانب الديني، اعتبر البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله صفير خلال قداس الأحد في بكركي، أن ما يجري في لبنان يدل على أن «الكثيرين لا يسمعون إلا صوت المنفعة، لا صوت الضمير». وقال إن كل شيء يوحي بأن الأمور إذا ظلت تتصاعد على هذه الوتيرة، ستقود حتما إلى اصطدام نحن في أمس الحاجة إلى اجتنابه. وأضاف: «كفانا ما أصابنا من ويلات في الحرب التي اندلعت نارها على أرضنا هذه السنة، وقد خلفت وراءها القتلى والدمار والبوار والديون الباهظة، والبيوت والمرافق المهدمة، والهجرة الكثيفة التي لا تزال تتواصل».
وأبدى اعتقاده «أننا لو عدنا إلى الحوار الهادئ الواعي، على رغم خيبات الأمل منه، على أن تخلو لغة التخاطب من الكلام السوقي، والعبارات البذيئة التي بتنا نسمعها في هذه الأيام» في إشارة إلى الكلام المسيء الذي قاله الوزير السابق سليمان فرنجية عن صفير قبل أيام. ورأى أن الحوار هو «الطريق الأسلم من الإضرابات والمظاهرات وشل السوق والحركة في البلد وترويع المواطنين». ومن جانبه، دعا العلامة محمد حسين فضل الله إلى الحفاظ على استقرار الوضع السياسي والاقتصادي والأمني في لبنان، من خلال التوصل إلى صيغة تراعي النظام الطائفي التوافقي وتضمن مشاركة الجميع بما يمنع العبث باستقرار لبنان ووحدته. ودعا اللبنانيين إلى «أن يكونوا منفتحين على الواقع الإقليمي والدولي، ولا يخضعوا لأي وصاية جديدة».
أما نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبدالامير قبلان فدعا الحكومة إلى الخروج بحل يخدم الوطن ويرضي الغالبية من اللبنانيين على قاعدة تحقيق العدالة والانفتاح والاستماع إلى الآخر والثقة به. ورأى أن «العناد والتصلب في المواقف يساهمان في التشنج وتمسك الآخرين بمواقفهم ومطالبهم».
جنبلاط يستغرب أقلية بعشرات آلاف الصواريخ
قال النائب وليد جنبلاط: «نحن في بيروت وسنبقى في بيروت، والذين يطالبون بالمشاركة ويدعون انهم أقلية، فانا لم أر في حياتي أقلية تملك عشرات الآلاف من الصواريخ والمدافع، أقلية تقرر الحرب عندما تشاء وتقرر السلم عندما تشاء. هناك مناطق مقفلة بالمطلق على الدولة. أمن خاص، مال خاص، دعم مطلق من إيران وسوريا. غريب أمر هذه الأقلية وغريب مبدأ المشاركة هذا».
قداس على بيار الجميل
أقيم في السرايا صباحاً قداس على الوزير بيار أمين الجميل، حضره السنيورة والرئيس أمين الجميل وعقيلته وأفراد العائلة والعديد من الوزراء والنواب وقيادات قوى 14 آذار وممثلو القوى الطالبية في 14 آذار، وحشد من الشخصيات والفعاليات الاقتصادية.
بيروت ـ علي بردى

