400 صياد لبناني عادوا بالأمس إلى الأزرق الكبير ومعهم شباك البهجة وغلة الجبين، توغلوا في المدى الواسع من جديد رافضين إشهار موتهم، غرفوا من خيرات البحر التي خسروها أثناء العدوان الإسرائيلي بعد أن استهدفت الطائرات المقاتلة مرفأ الأوزاعي بعشرات الصواريخ مقتلعة مئات المراكب التي تحولت إلى ركام من الخشب المبعثر.

أصوات قوية ممتلئة بالهمة تخرج من بين المراكب التي نزلت لتوها إلى بلدة الأوزاعي الواقعة على البحر الأبيض المتوسط بعد أن خضعت لورشة إصلاح وترميم، وذلك بدعم من المشروع الإماراتي لدعم وإعمار لبنان الذي قدم في أعقاب العدوان مباشرة مليوني دولار نقدا للصيادين المتضررين تفاوتت حصة كل منهم تبعا لفداحة الأضرار وتوزعت على 91 صيادا و325 مالك قارب. أعلام لبنان ودولة الإمارات ترتفع على كل المراكب ونواحي المرفأ، الصيادون وصلوا قبل الأوان انهمكوا بترميم ما تبقى من شباك ومراكب، يعملون بأياد متشابكة وعزيمة لا تلين ليعود بحرهم متوهجا شاسعا، وعلى الجانب الآخر يعمل الفريق الإماراتي ميدانيا لإعادة إعمار المنشآت المدمرة كليا وذلك في إطار إعادة الروح إلى هذا الموقع البحري.

(البيان) رافقت الصيادين أثناء عودتهم إلى مرفأ الأوزاعي ورصدت آراءهم وصدى المبادرة الإماراتية التي أحيت آمالهم مجددا.. على الرصيف البحري قرب مدخل المرفأ يتماوج «الريس»على المركب الذي تحطم كليا خلال العدوان ثم ما لبث أن لملم أشلاءه ليستقر مجددا في البحر بعد عمل دؤوب ومعالجات متنقلة بين ورشة وأخرى ليخرج معافى يتوغل في اليم دون وجل.

«بكيت أنا وأطفالي» يقول صاحب المركب محمد البصراوي «عندما رأينا المركب مكوما ومهشما، حزنت على ولدي علي أكثر مما حزنت على الفلوكة،.. كان يبكي بحرقة وصمت احتضنته محاولا تهدأته ففلت من يدي وانفرد في زاوية وحده يبكي، قررت أن أسمي المركب الجديد على اسمه بعد أن كنت قد أطلقت على المركب السابق اسم ابنتي جميلة، فعلي يحب البحر إلى حد بعيد وهو صياد بالفطرة تربى على عشق البحر والتأمل في أسراره رغم معارضتي له لأنني أعلم كم هي صعبة وشاقة هذه المهنة».

يتابع محمد «توقف العدوان وعاد الناس إلى أعمالهم إلا نحن الصيادون فلا مال لدينا ولا عمل، انتظرنا مبادرات الدولة لكننا لم نحصل إلا على ما يسد الرمق 200 دولار من هيئة الإغاثة و150 دولاراً من حزب الله، ناشدنا العالم مساعدتنا فلم يجد صوتنا صدى إلا لدى الأخوة في دولة الإمارات، حيث أقروا لنا مساعدات نقدية وصلني منها عشرة آلاف دولار أنفقتها كلها على إصلاح المركب الذي احتاج إلى محرك جديد وخشب وستانلس وغيره،

وقد استغرق العمل فيه نحو شهرين ليصبح قبل أيام فقط جاهزا للانطلاق..انتشلتنا هذه المكرمة من العوز والإفلاس خاصة أننا كنا على أبواب المدارس والديون تراكمت علينا أثناء الحرب ، قدرنا كثيرا وقفة هذه الدولة إلى جانبنا وأخذها بيدنا نحو بر الأمان وأشعرتنا أننا غير مهمشين أومنسيين».

حسن همدر الصياد أبا عن جد أنزل (باميلا) مركبه الجديد في البحر قبل يومين فقط ، اشتراه بثمانية آلاف دولار كما يقول «وهو المبلغ الذي قدمه لي المشروع الإماراتي لمساعدتي، ...منذ يومين بدأنا نأكل ونحن نشعر بعزة وكرامة،.. كنت قبل شرائه عاطلا كليا عن العمل،..

سُدت كل أبواب الرزق في وجهي فأنا لا أمتهن إلا الصيد وكل تعبي ورزقي استثمرته في المركب الذي دمرته إسرائيل. عندما علمت بالمبادرة الإماراتية شعرت بالفرج أنا وعائلتي، أولادي راحوا يصفقون ويقفزون من شدة فرحهم وأنا اختنقت بدموعي، لقد كان القيمون على دولة الإمارات في طليعة القادة العرب الذين تحسسوا مأساتنا ومدوا يد العون الواسعة لنا وفتحوا لنا نافذة نور وأمل من جديد».

حسين ناصر الذي بدأ بإصلاح مركبه الذي كلفه 7200 دولار، يقول «كان معي ألفا دولار أنفقتهما وتوقف العمل بالمركب بقيت أياما مكبلا لا أعرف ماذا أفعل، إلى أن جاءت المبادرة الكريمة من دولة الإمارات التي لولاها لكنا بقينا جالسين في بيوتنا نجتر الفقر والعوز، لقد جاؤوا من آخر الدنيا ليساعدونا وهذا فضل لن ننساه طالما حيينا».

وقال: بالأمس بعت كل السمك الذي اصطدته وعدت بغلة 250 ألف ليرة،.. أطعمت عائلتي واشتريت لهم كل ما حرموا منه، وقبلها بيوم بعت بسبعين ألف ليرة فابتعت الأدوية التي نحتاجها وهكذا بدأ الرزق يتدفق والفضل الأول والأخير لرب العالمين وللأشقاء في دولة الإمارات الكريمة».

رئيس نقابة الصيادين عصام قطايا أوضح ل«البيان»: حجم الأضرار كان كبيرا جدا في مرفأ الأوزاعي حيث دمر العدوان 90 بالمئة من منشآت المرفأ ومراكب الصيادين، استلزمنا العمل على رفع الأنقاض شهرا بكامله حيث قمنا بجرف المنشآت كلها وعمل الصيادون على انتشال بقايا الأخشاب من المياه،

وأثناء تلك الفترة وبينما كنا نناشد المعنيين للغوث والمساعدة تقدمت دولة الإمارات بمبادرتها الكريمة وانطلقت ورشة العمل بعد أن عاين الفريق الإماراتي الأضرار عن كثب وذلك برئاسة وإشراف مدير المشروع محمد الرميثي الذي كان معنا على الأرض يوميا يقف على احتياجاتنا ويسير الأمور كلها إضافة إلى السفير الإماراتي الذي لم يوفر وسيلة الا كانت لمساعدتنا.

أضاف: لقد وعدتنا إدارة المشروع بإعادة المرفأ أفضل مما كان وها هو فعلا يعود منارة للمرافئ اللبنانية حيث سخرت دولة الإمارات كل إمكانياتها لمساعدة هذه الشريحة الفقيرة ووضعوا مشروعا متكاملا لمباني المرفأ الجديدة يلبي احتياجات الصيادين كلها، وقد تم تخصيص أمكنة لصيانة المراكب وإنتاج يرقات الأسماك وصيانة الأرصفة وإنشاء رصيف صناعي عائم،

كما ستضم المباني الجديدة صالة لبيع الأسماك على مساحة 150 متراً وكافتيريا ومطعما للصيادين ومبنى لإصلاح المراكب ومبنى للجمعية التعاونية ومبنى لنقابة الصيادين وأحواضا لتربية وزراعة الأسماك ومبنى للحراسة، كما سيتم بناء سور خارجي للمرفأ بطول 250 متراً، على أن تشمل أعمال إعادة بناء المرفأ صيانة وترميما ورصف المرسى الخرساني الخاص بالقوارب وتزويده بأعمدة إنارة ، وستزود إدارة المشروع المرفأ برافعة هيدرولوجية لرفع القوارب.

واعتبر قطايا أن الصيادين كانوا كمن يغرق في الهم والفاقة لولا مبادرة الإمارات التي أنقذت أكثر من 300 عائلة من العوز والبطالة وعاد اليوم إلى العمل نحو 125 صياداً فيما ينتظر الآخرون انتهاء إصلاح مراكبهم كي يلتحقوا بالباقين.

من جهته أكد سفير دولة الإمارات العربية في لبنان محمد سلطان السويدي على تضامن دولة الإمارات حكومة وشعبا مع اللبنانيين الذين تربطنا بهم علاقة متينة، ولفت إلى أن هذه المبادرة جاءت بتوجيهات سامية من صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وأوامر عليا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة،

مشيرا إلى أن الفريق الإماراتي قوّم ألأضرار ووضع تصاميم ومخططات خاصة بالمباني الجديدة للمرفأ تلبي متطلبات الصيادين وتوفر الخدمات الأساسية لممارسة عملهم، وكنا قد سلمنا الصيادين شيكات بقيمة مليوني دولار ليتمكنوا من شراء وإصلاح مراكبهم المتضررة، لافتا إلى أنه من المقرر انتهاء العمل بالمشروع في غضون الشهرين المقبلين، مؤكدا أن دولة الإمارات لن تتأخر في أي مساعدة يحتاجها اللبنانيون.

بيروت ـ ثناء عطوي