لم تمض سوى ساعات قليلة على قبوله وقفا متبادلا لإطلاق النار مع الفلسطينيين حتى ألقى رئيس الحكومة الإسرائيلية إيهود أولمرت خطابا حمل بلغة بدت جديدة على صاحب مشروع «الحل أحادي الجانب»، ابرز ما فيها من جديد هو استعداده البحث عن مخرج سياسي لحالة الاشتباك المتواصلة منذ ست سنوات ونيف.
وجاء قبول ايهود اولمرت للهدنة أو «التهدئة» كما يفضل الفلسطينيون، خاصة الحركتين الإسلاميتين (حماس والجهاد) أن يسموها بعد خمسة شهور من عمليات عسكرية متواصلة استهدفت «تحرير» الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شليت.
وكان أولمرت أعلن في حينه انه لن يوقف عملياته في غزة سوى بعد ان يُطلق سراح شليت ما يعني أن قبوله الهدنة يشكل إقرارا بفشل الخيار العسكري في حل قضية شليت. وجاء إعلانه التالي عن استعداده: الانسحاب من مناطق واسعة وإخلاء مستوطنات وإطلاق سراح أسرى ليشكل تحولا في النهج الذي واجهت به إسرائيل الانتفاضة في عهود رؤساء حكوماتها الثلاث ايهود باراك وارئيل شارون الذي خلفه في العام 2001 وايهود اولمرت الذي خلف شارون.
ويوصف اولمرت الذي كان مقربا من شارون بـ «العقل المهندس» لخطة شارون للانسحاب أحادي الجانب من غزة. وعقب رحيل شارون عن الحلبة السياسية اثر الجلطة الدماغية التي تركته قعيد أسرة المشافي، تولى أولمرت قيادة حزب شارون الجديد «كاديما» وخاض الانتخابات على اساس تطبيق ذات المشروع في الضفة الغربية.
لكن موجات الصواريخ محلية الصنع التي أخذت تطلق من غزة على المدن والتجمعات السكانية في إسرائيل، والصواريخ التي انهالت عليها عبر الحدود من لبنان عقب المواجهة مع حزب الله الصيف الماضي كشفت ثغرات كبيرة في هذه الخطة ما جعل صاحبها يبحث عن بديل لها. ولم يقتصر التغيير على أولمرت وفريقه بل طال الفلسطينيين أيضا الذين دفعوا ثمنا باهظا لاستمرار المواجهة من غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي منها في سبتمبر العام الماضي. فقد سقط أكثر من 500 فلسطيني في الهجمات الاسرائيلية على القطاع في الأشهر الخمسة الماضية.
وجاء التغيير الأبرز على حركة حماس التي انتقلت من مقاعد المعارضة المريحة إلى مقاعد السلطة شديدة السخونة والتعقيد. فقد وجدت الحركة نفسها مسؤولة عن الخدمات التي تقدم لحوالي أربعة ملايين مواطن، في مقدمتها رواتب لـ 165 ألف موظف تصل قيمتها مع مصاريف وزاراتهم إلى 150 مليون دولار.
وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس سعى لوقف إطلاق نار متبادل مع اسرائيل منذ وصل إلى الحكم في مطلع العام 2005 لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب عدم جاهزية أي من الطرفين«إسرائيل والفصائل». لكن المواجهة التي أثبتت أن أيا من الطرفين لن يحقق حسما فيها دفعتهما إلى قبول الهدنة وبدء البحث عن مخرج سياسي.
ويقول د. علي الجرباوي أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت: «هناك وضع ضاغط على جميع الأطراف، ادارة بوش وحكومة إسرائيل والفلسطينيين، فإدارة بوش تواجه مشكلات معقدة في العراق ولبنان، ومستقبل اولمرت مهدد لانه لا يستطيع تطبيق برنامجه ولا يستطيع حل مشكلة الصواريخ، وحماس أيضا تدرك حجم معاناة الناس وهي تعرف ان 500 فلسطيني راحوا هدرا في الشهور القليلة الماضية وان الصواريخ لا تغير المعادلة». وأضاف: «نحن في مثلث ضعف أميركي إسرائيلي فلسطيني فكان لا بد من الاتفاق الهدنة والبدء في البحث عن مخرج سياسي».
وبينما آثرت «حماس» عدم الإشارة إلى أي نقطة ايجابية في خطاب اولمرت استنادا على عقيدتها «دعونا نرى أفعالا ولا نسمع أقولا فقط» وفق ما يقوله الناطق الرسمي باسم الحركة فوزي برهوم، فإن «فتح» ترى أن هناك «ايجابيات في العموم» وفق ما يقوله احمد عبد الرحمن الناطق الرسمي باسم الحركة.
وأضاف عبد الرحمن: «من المبكر القول إن كلمات اولمرت تحمل تغييرا على الأرض لكنه يحمل مبادرة». وأضاف إن «خطاب اولمرت كان ايجابيا بعمومية، فقد تحدث عن انسحاب وإطلاق سراح أسرى، لكنه لم يكن محددا في الأرض التي سينسحب منها والأسرى الذين سيطلق سراحهم».
أما برهوم فيقول إن أولمرت «جاء ليخاطب الرأي العام العالمي بعد الانتقادات التي تعرضت لها اسرائيل عقب مجزرة بيت حانون وعقب ظهور مبادرات دولية مثل المبادرة الفرنسية الاسبانية الايطالية».
رام الله ـ محمد إبراهيم