تبدو الأمور مختلفة هذه المرة بالنظر إلى أن اللغة القادمة من الفلسطينيين والإسرائيليين مغايرة إلا أن الكثير ممن تعاملوا لفترة طويلة مع ملف السلام ـ أو ما اصطلح على تسميته بعملية السلام ـ يقولون لك ألا تفرط في التفاؤل. لماذا؟! لأن ذلك بات سمة رئيسية لعملية التفاوض المضنية التي تدور منذ انطلاق عملية أوسلو (1) والشيء الآخر الذي يثير علامات كبيرة من الشك والترقب هو ذلك السؤال المراوغ: هل إسرائيل ترغب في السلام؟!
والأهم هل أيهود أولمرت قادر على صنع السلام؟ خاصة في ظل ضعف موقفه؟ والأمر المهم أيضا في هذا السياق يتعلق بسؤال آخر: هل واشنطن تهتم حقيقة بما يجري في فلسطين، أم أن الوضع المتفجر في الأراضي المحتلة مجرد «جملة اعتراضية» في صراعات أكبر، وقضايا أخطر تهم الولايات المتحدة ألا وهي «الوضع في العراق» والملف النووي الإيراني؟! على أي حال «البيان» حرصت على أن تستشعر «الجو العام» وان تلتقي في كواليس اللقاء الاورومتوسطي (يوروميد) مع وزراء الخارجية العرب، والأوروبيين، وأمين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى. يرى موسى أن عملية برشلونة تراجعت إلا أنها لم تفشل! وأكد على أن التراجع يعود في جزء كبير منه للسياسة الإسرائيلية، وقال إنه رغم الاضطراب في عملية برشلونة من كافة زواياها إلا أن هذا لا يعني أنها عملية فاشلة، بل يجب أن تستمر وتستقر، كما يجب أن نعالج الصعوبات والنواقص التي تشهدها.
وردا على سؤال لـ «البيان» بشأن «هل هناك من يجرؤ على الكلام عن الحل أم أننا نضيع الوقت؟» أجاب موسى: لابد من استمرار الكلام الصحيح، وذلك في إطار الفهم القوي لما يجرى. وأضاف موسى: لابد أن يدرك الجميع أن الفلسطينيين لن يستسلموا.
ويرصد موسى تطوراً مهماً في الأيام الأخيرة يتعلق باتفاق وقف إطلاق نار ويجب على الطرفين أن يبنوا على هذا التطور، وهذا أمر لم يكن موجوداً من قبل. والنقطة الثانية: الجهود المستمرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية، والنقطة الثالثة: ما أدلى به خالد مشعل من أن حركة حماس مستعدة لقبول دولة فلسطينية في حدود عام 1967، والنقطة الرابعة: تصريحات أيهود أولمرت رئيس وزراء إسرائيل بشأن وقف الاستيطان وإزالة المستوطنات والانسحاب من مناطق واسعة من الأراضي المحتلة.
..ويرى موسى أن هذه التصريحات تمثل نقطة بداية لا بأس بها، وهذه الأمور الأربعة مجتمعة ربما تمثل «بداية تحرك» و «هز هذا الجمود والشلل» الذي أصاب عملية السلام، وأعتقد أن العرب عندما وقفوا جميعا بعد الحرب ضد لبنان وأعلنوا بصراحة «أنه ليس هناك عملية سلام، وأننا لن نخدع بعد ذلك» ويعقب موسى بقوله «ذلك كان من شأنه إحداث التحرك الذي نشهده الآن»
أين الضمانات؟
وكان لابد من أن يفرض السؤال نفسه: لماذا هذا التركيز على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، وأين هي الضمانات الأوروبية لرفع الحصار والتعامل مع الحكومة الفلسطينية؟ ويكشف موسى عن أن الجانب العربي يعمل بالفعل للحصول على ضمانات برفع الحصار فوراً!
ولم أجد مفراً من السؤال البديهي: إن الشارع العربي يتساءل هل إسرائيل راغبة في السلام؟ وهل إيهود أولمرت قادر على صنع السلام؟ وباغتني الأمين العام بالقول «عليك أن تضيف سؤالا آخر: هل هم قادرون على تحمل تبعات إلغاء عملية السلام؟ ويجيب موسى على ما طرحته وما أثاره بتأكيده: «إنهم يرون أن الشرق الأوسط مشتعل، وأن القوة لا تؤدي إلى شيء مثلما نرى في العراق، وفي كل مكان.
إذن ليس أمامهم من خيار سوى الدخول في عملية سلام عادلة أو اللجوء إلى الإجراءات الأحادية التي لن تؤدي إلى أي شيء، أو العمليات العسكرية التي يتم الرد عليها، ومثلما يقولون لنا إن كان لديهم قدرة عسكرية فإن الآخرين لديهم قدرات للرد أيضا.
وهو الأمر الذي يدخلنا في سيل من الدماء!
ويضيف موسى بأن ذلك هو السر في التحرك، ولقد بدأ الجميع في التحرك نظرا لقناعتهم بعدم الحصول على ضمانات أي أحد بشأن الحفاظ على الاستقرار في المنطقة في ظل الممارسات الخاطئة، وأكد موسى أن الحديث عن الدول المعتدلة والدول غير المعتدلة «مجرد هراء» وتساءل: دول معتدلة من أجل تسليم القدس مثلا.. هذا كلام غير عاقل ولا يمكن تصديقه، إنهم يخدعون أنفسهم إذا تخيلوا أن بعض العرب سوف يسايرونهم من أجل «بيع القدس» وأحب أن أقول لهم بوضوح «لا أحد يجرؤ على ذلك» ولا يقبل ذلك.
وبشأن قدرة أولمرت على صنع السلام قال موسى: هذه مشكلة رئيس الوزراء الإسرائيلي، ونحن نتحدث هنا مع الجانب الأوروبي بشأن ما الذي يمكننا أن نفعله إزاء عملية السلام.
أبو الغيط: لابد من رسالة واضحة
وبينما تبدو الأمور حائرة وغامضة فإن الموقف برمته يبدو واضحاً لدى أحمد أبو الغيط وزير الخارجية المصري، فهو يؤكد ضرورة توجيه الوزراء المجتمعين في مؤتمر «الشراكة الأورومتوسطية» بفنلندا لرسالة واضحة بشأن دفع عملية السلام في الشرق الأوسط، ورفع المعاناة عن الشعب الفلسطيني، وضرورة تركيز عمل المجتمع الدولي خلال المرحلة الحالية على المضي قدما في هذا الشأن.
وأشار أبو الغيط إلى التأثيرات السلبية لتدهور الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، وكذلك في العراق ليست فقط على مستوى دول المنطقة ولكن كذلك على الساحة العالمية ككل.
وأوضح أبو الغيط أن الجانب الأوروبي عرض جهوده في مجال التعامل مع الملف النووي الإيراني، وأشار إلى موقف مصر الثابت بشأن إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وضرورة تبني الاتحاد الأوروبي موقفاً متزناً يتعامل مع كافة دول المنطقة من دون استثناء أي طرف أو الكيل بمكيالين. وأكد ضرورة إدراج الملف النووي الإسرائيلي، وانضمام إسرائيل إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
المعلم: هل يلتزم الإسرائيليون بالوعود؟
.. ويبدو المشهد دائماً ناقصاً إذا لم نرصد الأداء السوري على المسرح الأوروبي، وبالطبع ترددت شائعات بأن وزير خارجية سوريا وليد المعلم لم يحضر عشاء العمل.
إلا أن الرجل أجاب بوضوح: لا.. لقد حضرنا حتى النهاية! وعندما سألناه: هل تحدثت إلى الإسرائيليين. أجاب بقوله: «لا نحن لا نتحدث إليهم»! ورداً على سؤال بشأن: السر وراء عدم الحديث؟.. قال المعلم بحدة: هل هناك فائدة من الحديث معهم، وهل يلتزم الإسرائيليون بأي وعد؟!
وأكد وليد المعلم أن توجيه الاتهام إلى سوريا عند وقوع حادث في لبنان يرجع إلى عوامل جغرافية، كما أن هناك فئة في لبنان توجه أصابع الاتهام وهذه الفئة تراهن على الدور الأميركي، ولذلك من الخطأ أن نتهم لبنان، وأشار إلى أن سوريا تراهن على الشعب اللبناني والإرادة العربية وعلى أمل إعادة إحياء العمل العربي المشترك.
وبشأن ما ذكرته سوريا من استعدادها لأن تلعب دوراً إيجابياً لتهدئة الأمور في العراق قال إن الولايات المتحدة لابد أن تعترف بأنها وحدها لا تستطيع حل الأمور في العراق، وأن الحل يجب أن يبدأ من العراقيين أنفسهم بأن يتفقوا على، اختلاف مكونات الشعب العراقي، على أن العراق وطن موحد للجميع وأن يبنى هذا الوطن الموحد على أسس ترجح المواطنة على غيرها من الاعتبارات،
وإلى جانب ذلك لابد أن تلعب دول الجوار للعراق وخاصة الدول العربية منها دوراً إيجابياً في تحقيق الأمن والاستقرار باعتباره جزءا حيوياً من أمنها واستقرارها، وبالإضافة إلى ذلك لابد من جدولة انسحاب القوات الأجنبية بالتزامن مع بناء القدرات الأمنية والعسكرية للعراق وأن يتضمن ذلك التأكيد على هوية العراق العربية.
وعن ما يتردد أحياناً من اتهامات توجه إلى سوريا بتهريب أسلحة وإرهابيين إلى العراق قال إنه تم توضيح هذا الأمر في بغداد خلال زيارتي للعراق مؤخراً، وسيتم الآن تشكيل لجان أمنية مشتركة تعمل معاً من أجل تحقيق الأمن والاستقرار هناك.
وحيال موقف الولايات المتحدة وبريطانيا والطلب البريطاني مؤخراً رسمياً أن تلعب سوريا دوراً في عملية السلام في الشرق الأوسط، قال الوزير اللبناني إن بريطانيا طلبت بالفعل، أما أميركا فلا، وكان على مستوى رئيس الحكومة البريطاني توني بلير الذي أوفد مستشاره ومبعوثه الخاص نايجل شيناوالد، مشيراً إلى أن الاتصالات مستمرة بين الجانبين ووصف هذا بأنه حكمة أدركها البريطانيون قبل الأميركيين.
موراتينوس: نافذة جديدة للسلام
ومن جانبه رسم ميغل موراتينوس وزير خارجية أسبانيا وصاحب المبادرة الأوروبية الجديدة للسلام صورة متفائلة. وأعرب في تصريحات خاصة ل«البيان» عن سعادته للبيانات التي صدرت عن الأطراف المعنية، وبالتزامها بعملية السلام. ولقد سعدنا بما دار خلال عشاء العمل في تامبيري ـ في فنلندا ـ ولكن اسبانيا وايطاليا وفرنسا ـ شركاء المبادرة ـ كانوا على حق في مطالبتهم بعمل شيء ما حتى يمكن الحفاظ واستمرار التهدئة التي أعلن عنها ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
وأكد موراتينوس أن لدينا الآن أملاً جديداً في السلام، إلا أنه قال إن اسبانيا من خبرتها سمعت مرات عدة أن «عملية السلام» لا يمكن التراجع عنها. ولكن الآن جميعنا يعلم «أنه لا شيء لا يمكن التراجع عنه». وخاصة في الشرق الأوسط! ولذا يجب علينا أن نعمل سوياً من أجل تعزيز هذه «النافذة الجديدة للسلام»!
ولكن عند سؤاله عن «فقدان العرب للثقة في العملية برمتها»، أجاب موراتينوس بقوله «إن الأوروبيين هم الطرف الوحيد الذي أنغمس بشدة في عملية السلام، واضطلع بالحفاظ على الأمل في تحقيق السلام».
وأضاف: لا يجب أن ننسى أن الأوروبيين هم الذين قدموا مساعدات اقتصادية، وحاولوا ولا يزالوا أن يعطوا الأمور «آفاقاً سياسية» لتحقيق «السلام النهائي» في المنطقة.
وزير خارجية هولندا: باب الأمل مفتوح
أكد وزير خارجية هولندا برناردبوت على أنه استمع إلى وزيرة الخارجية الإسرائيلية، وبالحكم على نبرة الحديث والجو العام الموجود في اجتماعات وزراء خارجية الدول الأورومتوسطية، يمكنني القول أن هناك ثمة أمل، وأضاف: والآن بعد تصريحات أولمرت، وإذا ما جمعنا الأمرين معنا، فإن لدينا أكثر من «نافذة أمل» وأعتقد أن لدينا «باباً مفتوحاً على الأمل».
وكان لابد من إثارة السؤال المنطقي: إذن ما الذي تغير، وهل هو مجرد تغير في لهجة الكلام أم أنها «الحكمة» التي جرى تعلمها من الأحداث المريرة بالمنطقة؟ ولحظتها فإن وزير خارجية هولندا تغيرت لهجته، وبدأ الحديث ثانية بالقول «إن المرء عليه أن يكون في غاية الحذر عند التعامل مع الشرق الأوسط، وأنا شخصياً أتعامل مع شؤون المنطقة لما يزيد على ثلاثين عاماً، ولقد واجهت في حياتي «مواقف تدعو للتفاؤل».
وعلى الرغم من أني لا أميل للتشكك، وأحسب أن المرء عليه ألا يكون متشككاً، خاصة في المجال السياسي. فإنني أعتقد أن علينا أن نكون مستعدين لانتهاز أي فرصة تسنح أمامنا، ونحن الآن نعيش ونواجه موقفاً متوتراً للغاية ليس فقط في الشرق الأوسط بصورة مباشرة، بل في العراق وإيران.
وإذا ما سنحت فرصة مثل الفرصة التي أمامنا، فإن علينا أن ننتهزها بسرعة، وإذا ما أدى كل طرف أفضل ما لديه فإنه يمكننا الآن المضي قدماً إلى الأمام. ويجب ألا نكون «متفائلين للغاية»، لأنني خالجني شعور الليلة الماضية بأن الناس كانوا مفرطين في التفاؤل. ولكن يجب أن نكون حذرين.
ولحظتها أسرعت إليه بالقول: إن الرأي العام ليس متفائلاً على الإطلاق، بل متشائم للغاية، ويشعر بأن ما نشهده حالياً هو مجرد جهد «علاقات عامة»، نظراً لأننا مررنا بهذا السيناريو مرات عدة من قبل. ولم يجد الوزير ما يعقب به سوى القول «إن المرء عليه أن يكون حذراً.
ويبقى في النهاية أن ثمة أمل، أو ربما سراب آخر سوف ينضم إلى حزمة كبيرة من «سرابات السلام» في الشرق الأوسط؟ هل سيكون السلام في القدس عبر بوابة المفاوضات الجادة أم أن الفلسطينيين عليهم الانتظار ثانية لأن القدس لابد أن تمر عبر بغداد وربما هذه المرة عبر طهران.
وأحسب أن التاريخ علمنا كم هي خادعة تلك العناوين البراقة بشأن المعارك الأخرى التي عليها أن تحسم قبل أن يتم وضع نهاية للمأساة الفلسطينية. لا نملك إلا الانتظار لنرى إلا أن الموقف ينذر بتفجر رهيب بالأراضي الفلسطينية وذلك إذا استمر الغباء الأميركي والتردد الأوروبي والعجز العربي، والصلف الإسرائيلي. نتمنى ألا تضيع فرصة أخرى.
وزير خارجية هولندا: باب الأمل مفتوح
أكد وزير خارجية هولندا برناردبوت أنه استمع إلى وزيرة الخارجية الإسرائيلية، وبالحكم على نبرة الحديث والجو العام الموجود في اجتماعات وزراء خارجية الدول الأورومتوسطية، يمكنني القول إن هناك ثمة أمل، وأضاف: والآن بعد تصريحات أولمرت، وإذا ما جمعنا الأمرين معنا، فإن لدينا أكثر من «نافذة أمل» وأعتقد أن لدينا «باباً مفتوحاً على الأمل».
هلسنكي ـ محمد صابرين

