بغداد.. عاصمة بلاد الرافدين الجميلة.. يكاد من يزورها الآن ألا يجد فيها شيئا من بغداد التي عرفت عبر العصور بأنها مركز إشعاع الفكر والحضارة والرقي والعلم والأدب.. فقد أصبحت اليوم ميدانا للحرب والقتل، ولا يمر يوم من دون أن تصدم مسامع وأنظار العالم بأسره مشاهد الموت والدم والدمار التي تئن منها شوارع حاضرة الرشيد وأهلها.
في شوارع بغداد، لن ترى عينا أي زائر حاليا سوى لافتات التعازي التي تملأ جدران المباني المطلة على الشوارع العامة، وجدران المساجد واسيجة الدوائر الحكومية ومراكز الشرطة والساحات العامة.. ازدياد وكثرة هذه اللافتات يدل على ان أهالي بغداد يعيشون الموت والخوف من الموت في كل لحظة.
وقال الباحث والناقد الأدبي موسى زناد «بغداد هي جسر الحاضر مابين ماض تليد وغد نتمناه رغيدا، وكانت عروس الحياة الحافلة بالأصالة.. كانت حديقة الدنيا ومكتبة الزمان.. بغداد اليوم، للأسف، غدت يتيمة العواصم وشمطاء المدن.. تعفنت حدائقها وصارت قبورا للرمم، وتحجرت لهوات شعرائها على دم متخثر، لكن رمقا يبقى في وجدانها، وتبقى بغداد عنقاء الزمان، تنهض من بين المحن المبكيات».
ومن جانبه، قال الشاعر خالد الخزرجي «كانت بغداد معنى من معاني ذلك العز والمجد والسؤدد تزخر بالفقهاء والعلماء والشعراء، وتمرع فيها حدائق الشعر والسمر حيث يتنافس الشعراء والمبدعون كل على طريقته الخاصة، بنظم قصائدهم فيها.. كانت حقا رمزا لشموخ ونقاء الشرف، على غير ما نراه اليوم، حيث أصبح الأدب رخيصا مما يخلق سأما وضجرا عند الأدباء ويدعوهم لهجرة مجالس الأدب والأدباء»، متمنيا ان «يعود لبغداد وجهها الجميل قريبا».
وقال حامد جبر العلاق «63 عاما»، وهو موظف متقاعد من محافظة البصرة جاء لزيارة أقاربه في بغداد «حين كنا شبابا، كنا نتباهى بأننا زرنا بغداد وتجولنا في شوارعها، لان بغداد فيها مرافق سياحية وجسور وأنفاق ومبان عالية وأسواق شهيرة، وكنا ننظر للبغداديين على انهم سبقونا بالتمدن والتحضر والرقي، ونعود لأهلنا لنتحدث عن قصص رأيناها في بغداد تبدو لهم عجيبة مثل عمارة الدفتردار وعمارة الدامرجي ونصب الحرية وشارع الرشيد وشارع النهر.. وغيرها من الشواهق ونتحدث عن سحرها وجمالها، وكان أصدقاؤنا الذين لم يزوروا بغداد يحسدوننا لأننا شاهدنا بغداد واستمتعنا برحلتنا فيها».
أما اليوم، والحديث لا يزال للعلاق، «فنرى بغداد مهمومة حزينة باكية متشحة بالسواد والحزن العميق، ونشعر بخوف ورهبة حينما نمشي بشوارعها خشية أن يصادفنا اي لغم أو قنبلة أو سيارة تنفجر أمامنا، أو أن نقتل جراء مواجهات مسلحة، أو على الهوية».
في أحد مقاهي حي بغداد الجديدة الشعبي، يجلس رجل مسن وهو يرتدي الزي العربي(العقال والكوفية) يتحدث إلى مجموعة من الشبان عن بغداد أيام زمان وعن حياة البغداديين الاجتماعية وتقاليدهم وطبائعهم، بينما الشبان يستمعون إليه بشغف ولسان حالهم يقول «ليتنا عشنا تلك الأيام الجميلة».
يقول الرجل المسن، واسمه أبو جمال إنه كان موظفا في وزارة التخطيط وكثيرا ما كان يغادر العراق في بعثات حكومية، ورغم أنه كان يتحرق شوقا لرؤية بلدان عربية وأخرى أجنبية، لكنه ما ان يصل إلى احد تلك البلدان حتى يكويه الشوق ويتلهف للعودة إلى بغداد.
مدينة الصدر(الثورة سابقا) في شرق بغداد، هي الأخرى لها نصيب كبير من مجالس العزاء بسبب التفجيرات المستمرة وأعمال القتل التي تتعرض لها، وتمتلئ مداخل المدينة بلوحات الوفيات ولافتات التعازي، واغلبها يشير إلى ان الوفاة كانت بسبب تفجير أو قتل.
بغداد ـ «البيان»