مع نجاح السيدة سيغولين رويال في فرض نفسها مرشحة الحزب الاشتراكي الخوض الانتخابات الفرنسية الرئاسية في العام المقبل، تتوضح أكثر خارطة المرشحين في أفق تلك الانتخابات.

في الدورة الانتخابية الأولى ـ ذلك أن الانتخابات الرئاسية في فرنسا تجرى على دورتين يفصل بينهما أسبوعان ويتنافس في الثانية الحاصلان على أكبر عدد من الأصوات في الدورة الأولى.

سيكون هناك مرشحون عديدون من يسار ويمين ووسط ومستقلين ومتطرفين يميناً ويساراً أيضاً.. الشرط الوحيد لدخول المعركة الانتخابية فضلاً عن السن ونقاوة سجل السوابق، هو الحصول على موافقة 500 من ممثلي الشعب الفرنسي على مختلف مستويات الانتخاب.. وفي هذه الدورة الأولى «يقيس» كل مرشح «شعبيته» وشعبية القوى أو الأحزاب أو التيارات التي يمثلها.

وفي الدورة الانتخابية الثانية القادمة تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فكل المؤشرات تدل على أن جولة المنافسة الحاسمة ستكون بين المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال ورئيس حزب الاتحاد من أجل حركة شعبية اليميني، نيكولا سركوزي، هذا إذا لم تحصل مفاجأة مثل تلك التي عرفتها الانتخابات الرئاسية لعام 2002 عندما أقصى جان ماري لوبين زعيم حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف المرشح الاشتراكي آنذاك ورئيس وزراء فرنسا الأسبق ليونيل جوسبان من الجولة الانتخابية الأولى، ولوبين نفسه لا يزال هو مصدر التهديد.

ولكن هذه المرة بالنسبة لمعسكر اليمين في حالة وجود عدد كبير من المرشحين اليمينيين، ولكن لا يزال مثل هذا الاحتمال مستبعداً إلا إذا سادت حالة من «العماء» لدى معسكر اليمين بحيث لا يفهم أي شيء من درس انتخابات 2002.

المرشحان الأوفر حظاً للتنافس على المنصب الرئاسي الفرنسي خلال العام المقبل هما سيغولين رويال ونيكولا سركوزي، والسؤال هو أيهما قد يفوز؟

الإجابة صعبة بالتأكيد.. والإجابات المطروحة تتراوح بين القول إن «نيكولا سركوزي قد ينهزم في الدورة الانتخابية الثانية أمام أي مرشح من اليسار»، مثلما جاء على لسان الباحث والمفكر السياسي المعروف الذي كان قد تنبأ عام 1995 بفوز جاك شيراك عندما كانت جميع استطلاعات الرأي تعتبر أدوار بالادور «منتصراً وبفارق كبير، إلى القول إن سركوزي «المحنك والمجرّب» سوف «يلتهم» سيغولين «الطيبة وقليلة الخبرة»، كما يقول الكثيرون.

إن المسألة ليست حقيقة بهذه البساطة.. فالصيرورة التي تعرفها العملية الانتخابية الرئاسية القادمة ابتداء من مرحلة الترشيحات تشابه «انقلاباً» تقريباً بالقياس إلى جميع تلك التي شهدتها الجمهورية الفرنسية الخامسة منذ تأسيسها عام 1958 من قبل الجنرال شارل ديغول.

في الماضي كان رجال السياسة يجسدون ايديولوجيات كبرى ويترشحون باسمها، أما هذه المرّة فيبدو بوضوح أن عمليات استطلاع الرأي كانت المساهم الأكبر في رسم صورة المرشح «الأمثل» ودفعه إلى الواجهة.. دون أي نقاش سياسي حقيقي في واقع الأمر.. بل وحتى دون برنامج محدد.. أو آراء«ملزمة» على صعيد السياسة الخارجية.. إذ كيف ينظر مثلاً السيد سركوزي والسيدة روايال إلى مشكلة الشرق الأوسط؟!.. ثم ما هو موقفهما من مسيرة التوحيد الأوروبي؟

للتذكير كانا كلاهما في معسكر الـ «نعم» للدستور الأوروبي أثناء استفتاء مايو 2005، بينما أن الـ «لا» هي التي انتصرت بنسبة 55%.. باختصار لم تعد الخطوط الكاملة بين اليمين واليسار واضحة.. وهذا قد يشجع الناخبين للذهاب نحو «الأكثر وضوحاً» ولو كان جان ماري لوبين.

لا شك أن عدم وصول أية امرأة إلى سدة الرئاسة في فرنسا كان عاملاً إيجابياً في جعلها مرشحة باسم الحزب الاشتراكي، وسيكون كذلك في مواجهة مرشح اليمين خاصة أنه رجل.. واسمه نيكولا سركوزي. إنه عامل إيجابي بالتأكيد لكنه ليس حاسماً فالفرنسيون قد يفضلون «قبطاناً» يسير سفينتهم على «أم» تجسد قيمهم الشعبية وتهتم حقيقة بمشاكلهم لكنها لا تمتلك خبرة كبيرة على صعيد الاقتصاد والعلاقات الدولية.

تبقى فرضية أن يرشح الرئيس الحالي جاك شيراك نفسه لفترة رئاسية ثالثة.. عندها تتغير المعطيات.. ومعها معالم المشهد الانتخابي كله.