السياسة دائماً هي فن الممكن، ولم تكن أبداً فن المستحيل، والسياسي «الشاطر» هو الذي يتفادى الوصول في نهاية طريقه إلى جدار أو حائط مسدود، وحتى إذا وصل إلى ذلك، فعليه أن يكون مستعداً لاختراقه أو للالتفاف عليه، الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان كذلك، كان يقبل بشارع ليفاوض على منطقة، يبدأ بغزة وأريحا، ليفاوض على الضفة الغربية والقدس. أما رئيس الوزراء الحالي إسماعيل هنية فلم يكن كذلك، فعندما قطعت الدول الغربية صنبور المساعدات المالية عن شعبه، لم يبحث عن «فن الممكن»، وإنما لجأ إلى رهان المستحيل، وهو اختبار قدرة شعبه على التحمل إلى درجة الاكتفاء ب«أكل الزعتر».

«سنأكل الزعتر والملح والزيتون ولن نطأطئ الهامات إلا لله رب العالمين، ولن نهون ولن نتراجع»، هذه كلمات هنية، لكن هل يستطيع الفلسطينيون أن يعيشوا على «الزعتر» إلى الأبد، أم أن لقدرتهم على تحمل آلام أمعائهم حدوداً؟

نعم هناك حدود لم يرد أن يعرفها هنية، أو لنقل انه يعرفها ولكن أصر على أن يتجاهلها في محاولة منه للتغلب على «الخنق السياسي»، وهي حالة تعرض لها هنية، وكذلك يمكن أن يتعرض لها أي نظام أو حكومة ترفض دخول بيت الطاعة السياسي وفق كراسة الشروط الأميركية الإسرائيلية، هي أيضاً حالة تكررت كثيراً على المستوى العربي، سواء في العراق إبان حكم صدام حسين، أو مع سوريا حالياً، وفي السابق مع ليبيا والسودان، قبل أن يتصالحا مع الغرب كل بطريقته الخاصة.

هنية في خطاب «الزعتر» الشهير بدا غاضباً على غير عادته، وتخلى عن هدوئه الدائم ولغة خطابه البعيدة عن التشنج، وتحدث على نحو حاد قائلاً: «إن الموقف الغربي والتحالف غير المقدس الذي تقوده الإدارة الأميركية لمواجهة الشعب الفلسطيني وحكومته المنتخبة والشرعية التي خرجت من رحم المعاناة ومن رحم الشهداء، ومن رحم الصمود والمقاومة، ومن رحم الحقوق والثوابت، لن يكون مصيرها سوى الفشل».

هذه اللغة التي فاجأت الكثيرين وقتها، وقفت خلفها مبررات كثيرة، أهمها أن «التحالف غير المقدس» الذي أشار إليه هنية، سعى إلى خنق حكومته مالياً، ليثور عليها الشعب الفلسطيني ويسقطها سريعاً، لعدم تمكنها من الوفاء بأقل التزاماتها تجاهه، وهي بالطبع توفير أبسط الأسس للحياة الكريمة، وهي أمور إن بدت صغيرة للجميع، إلا أنها شكلت معضلة كبرى لحكومة هنية، التي ورثت خزينة خاوية، وديوناً تصل إلى 750 مليون دولار للداخل، وأكثر من مليار ونصف للخارج، وسط وقف تام للمساعدات الغربية وتجميد إسرائيل للأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية من عائدات الضرائب.

إضافة إلى عدم وفاء الكثير من الدول بالتعهدات المالية التي قطعتها على أنفسها، واكتفائها بإطلاق حملات شعبية للتبرعات، وهو أسلوب ان بدا معبراً عن التضامن، إلا انه في الواقع دليل إدانة لها، لاسيما وانها وقفت متفرجة على شعب يتم خنقه وتجويعه، لا لذنب ارتكبه، بل لممارسته حقه الديمقراطي بشكل حر غير معتاد في هذه المنطقة.

لكن من قال ان السياسة لها أخلاق؟ هنا تكمن القضية.. وهنا تكمن المشكلة التي لم يتمكن هنية من إيجاد حل لها.. المشكلة هي ان الجميع طالبه بأن يختار بين خيارين كلاهما نتيجته واحدة. الأول الانتحار السياسي عبر الاعتراف بإسرائيل والتنازل عن بزة المقاوم وفكره وأحلامه الثورية التي جاءت به وبحركته إلى الحكم، والثاني الخنق السياسي والعقاب الاقتصادي لشعبه جراء رفضه الخيار الأول، إذ ان شروط «لعب السياسة» تفرض عليه تنازلات لم يستطع القيام بها.

التنازلات.. هي جوهر القضية.. فعندما تكون في ساحة النضال والمقاومة لا يمكن ان تأتي ذكر هذه الكلمة والا تعبر خائناً. لكن عندما تصل إلى حلبة السياسة فعليك ان تقبل بها ليس كمبدأ عام وإنما كأحد شروط اللعبة.. إذا أردت ان تلعب جيداً.. هذه هي اللعبة التي تعثر فيها هنية ولم يفهم لغتها لأنه حاول ان يجمع بين بزة المقاوم وربطة عنق السياسي.. رغم ان كلاهما لا يستقيم مع الآخر.. على الأقل في هذا الزمن.

خالد سيد أحمد