إذا نجح نيكولا ساركوزي وزير الداخلية الفرنسي الحالي، ورئيس حزب التجمع من أجل حركة شعبية، اليميني، الذي يبدو اليوم المرشح القوي عن اليمين الفرنسي للانتخابات الرئاسية المقبلة، في الحصول على ثقة الفرنسيين، فإنه سيكون أول رئيس فرنسي متحدر من أبويين أجنبيين، وسيكرس بالتالي قدرة المجتمع الفرنسي على صهر الوافدين إليها... فضلا عن انه سيكون، بسنوات عمره التي تناهز الخمسين، ثاني أصغر رئيس جمهورية في فرنسا منذ الرئيس الأسبق فاليري جيسكار ديستان الذي احتل قصر الاليزيه وهو في الثامنة والأربعين من العمر.
ورغم ان الرجل «الغارق في حب أميركا» يمضي بقوة الصاروخ لا يلوي على شيء في طريقه إلى سدة الحكم في فرنسا الدولة الأوروبية المحورية، لا يكف الإعلام الفرنسي، الذي انشغل بسيرته منذ أمد، في إسباغ أوصاف من نوع «الخائن» و«الالعوبان» و«الانتهازي» و«الساحر» و«الفهلوي»...لكن هذا الإعلام راح أيضا ينقب في مفاتيح وخبايا شخصيته، ما أضفى على الرجل بريقا على بريق.. اذ لم يوفر حتى فضائح زوجته الجنسية لاستثمارها سياسيا.
تلميذ عادي
وتفيد سيرة نيكولا الذاتية بأنه لم يكن تلميذا بارعا في المدرسة.. حتى انه أعاد الصف السادس في مدرسة حكومية نقل بعدها مجددا إلى مدرسة خاصة هي كلية سان لوي دو مونسو في باريس حيث حصل على شهادة البكالوريا في عام 1973. وعقب البكالوريا، اختار دراسة الحقوق حيث تسجل في جامعة نانتير (ضاحية باريس الغربية) التي تخرج منها حاملا شهادة الحقوق وشهادة في العلوم السياسية. وانضم لاحقا إلى معهد العلوم السياسية في الوقت الذي استدعي إلى الخدمة العسكرية، إلا أنه لم ينه دراسته في المعهد المذكور. وفي عام 1981 تأهل لمهنة المحاماة وشارك في تأسيس مكتب للمحاماة في باريس متخصص في الشؤون العقارية. وفيما كان مثقفو نهاية الستينات والسبعينات يميلون إلى الأفكار اليسارية.
عقب (ثورة الطلاب) في فرنسا عام 1968 التي أفضت لاحقا إلى تخلي الجنرال شارل ديغول عن السلطة، اختار ساركوزي معسكر اليمين فانتمى عام 1974 إلى (اتحاد الديمقراطيين من أجل الجمهورية) اليميني، ثم لاحقا في عام 1976 إلى حزب (التجمع من أجل الجمهورية) الذي أسسه الرئيس الحالي جاك شيراك ووزير الداخلية السابق شارل باسكوا وبيار جويليه مستشار الرئيس السابق جورج بومبيدو، و«السيدة الفولاذية» و«أستاذة» شيراك ومستشارته في فن السياسة ماري فرانس غارو، ليكون منصة الانطلاق وآلة الحرب التي من المفترض بها أن اوصلت شيراك لاحقا إلى قصر الإليزيه. ومنذ 32 عاما ربط ساركوزي صعوده السياسي بعربة اليمين الذي يتأهب لتكريسه مرشحا فعليا ورسميا لخلافة شيراك.
فلاش باك
عندما تركت عائلة بول ناجي بوكسي ساركوزي أراضيها وقصرها وممتلكاتها الواقعة في محلة «ألاتيان» على بعد 100 كلم من العاصمة المجرية بودابست، واضطرت إلى الهجرة إلى الغرب هربا من تقدم الجيش الأحمر، كان بول ناجي بوكسي ساركوزي (والد ساركوزي) وقتها في سن السادسة عشرة. وتنقلت عائلته ما بين النمسا وألمانيا إلى ان استقر بها المقام في فرنسا حيث تطوع في إحدى فرق الجيش وأرسل إلى الجزائر.
غير أنه لم ينه سنواته الخمس ولم يرسل بالتالي إلى الهند الصينية بسبب «عدم أهليته للخدمة» فسرِّح في عام 1948 في مدينة مرسيليا. وفي العام الذي يليه وبعد أن تحول إلى العمل في الميدان الإعلاني، التقى طالبة حقوق اسمها أندريه ملاح وهي ابنة طبيب يهودي شرقي من مدينة سلونيكيا اليونانية يعمل في الدائرة السابعة عشرة في باريس. وتزوج بول ناجي سركوزي وأندريه ملاح واستقرا في باريس حيث ولد أبناؤهما الثلاثة الذين سلك كل منهم طريقا مختلفا: غيوم الابن البكر اختار الصناعة وتحديدا صناعة النسيج وأصبح لاحقا ولفترة نائبا لرئيس اتحاد أرباب العمل الفرنسي.
وفرنسوا، الابن الأصغر تخصص في طب الأطفال وأصبح لاحقا باحثا في حقل البيولوجيا. أما نيكولا فقد اختار الحقوق والمحاماة ربما بتأثير من والدته التي عادت إلى الدراسة لإكمال شهادة الحقوق عقب طلاقها من بول ناجي سركوزي بعد 10 سنوات على زواجهما. وتزوج الوالد ثلاث مرات إضافية ومن زواجه الثاني أنجب ابنا (أوليفيه) وابنة (كارولين). أما والدة ساركوزي فقد انتقلت وأبناؤها من باريس إلى ضاحية نويي الراقية التي أصبح ساركوزي لاحقا رئيسا لبلديتها في سن الثامنة والعشرين من عمره.
الأضواء.. والفضائح
بين ساركوزي والأضواء قصة مثيرة تتأرجح بين الحب والعداوة.. فخصومه السياسيون يتهمونه ببناء عمله فقط حتى يكون مادة للإعلام، لا بل يتهمه بعضهم بأنه عرض سلامة رجال الأمن عندما أعلن في برنامج تلفزيوني أنه في «الآن في هذه اللحظات» تتم عملية أمنية ضد خلايا إسلامية على الأراضي الفرنسية. ودفعه حب الأضواء والرغبة بالظهور، على عدم إخفاء عائلته التي أصبحت جزءا من صورته السياسية التي يريد لها أن تعلق في أذهان الناس. والورقة الرابحة بيدي ساركوزي كانت زوجته سيسيل التي تعرف إليها في عام 1986 بمناسبة تزويجه لها كرئيس لبلدية نويي إلى الإعلامي التلفزيوني الشهير جاك مارتان. وسيسيل ابنة عائلة مهاجرة إسبانية الأصل واسمها الكامل سيسيل ماريا إيزابيل سيغانير ـ ألبينيز.
ومنذ لقائهما الأول، أعجب ساركوزي بهذه المرأة السمراء الجميلة التي أصبحت زوجته بعد عشر سنوات. وطلق ساركوزي زوجته وقامت سيسيل بالانفصال عن زوجها ليعيشا معا. وتوفرت لساركوزي الفرصة لإبراز زوجته التي ليست من النوع الذي يبقى في الظل. فقد كانت مديرة مكتبه في رئاسة الحزب وكانت دائما إلى جانبه في وظائفه الوزارية فهي التي تمسك أجندة مواعيده وهي التي تقرر من يراه ومن لا يراه، كما تشرف على نومه وطعامه والرياضة اليومية التي يقوم بها.
لكن ساركوزي الذي بالغ في استخدام حياته الشخصية سلاحا سياسيا، دفع الثمن لاحقا عندما ساءت الأمور بينه وبين زوجته وخصوصا عندما برز خلافهما على صفحات الجرائد. وكانت الصدمة عندما ظهرت سيسيل إلى جانب الإعلامي ريتشارد أتياس على غلاف مجلة «باري ماتش» في 25 أغسطس من العام الماضي. واضطر ساركوزي للحديث عن مشاكله العائلية التي يعاني منها (كملايين الفرنسيين) كما قال. ولم يتردد وزير الداخلية في استدعاء مدير دار للنشر والضغط عليه لمنعه من إصدار كتاب مخصص لسيسيل ولعلاقتها به. كذلك ضغط على مالك «باري ماتش» لتسريح رئيس تحريرها الذي سمح بنشر صورة سيسيل مع أتياس. غير أن صعوبات وزير الداخلية العائلية يبدو أنها انتهت فقد نجح في إعادة جمع شمل عائلته ما يمكنه بالتالي أن يكرس وقته للمعركة الحاسمة.
في جلباب أميركا
اكثر ما يثير الجدل، داخل فرنسا وخارجها، حيال مواقف ساكوزي بشأن السياسية الخارجية هو انه لا يخفي إعجابه بالنموذج الأميركي، ولم يتردد خلال زيارة له إلى واشنطن، في انتقاد السياسة الفرنسية المعارضة لواشنطن في العراق، وانتقاد تهديد الرئيس شيراك وقتها باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار أميركي ـ بريطاني يتيح الحرب على العراق، لدرجة ان بعض الفرنسيين وصفوه ب«ساركوزي الاميركي».
وكذلك صدم ساركوزي الكثيرين في فرنسا بوقوفه إلى جانب إسرائيل التي سبق ان أعرب في أكثر من مناسبة عن إعجابه بديمقراطيتها. وإبان حرب إسرائيل الأخيرة في لبنان، لم يتردد ساركوزي في وصف «حزب الله» بالمنظمة الإرهابية وأعماله بالأعمال الإرهابية علما بأن هذا الموقف لا يتطابق لا مع الموقف الفرنسي ولا مع موقف الاتحاد الأوروبي. كما عبر ساركوزي عن وجهات نظر متطابقة مع الإدارة الأميركية حول الملفات الكبرى على الساحة الدولية مثل مسألة إيران، غير ان أكثر مقولاته إثارة للجدل في فرنسا هي «نعم أحب الاميركيين».
محمد كاره
