في مثل هذه الأيام، بعد سنتين، يكون الرئيس بوش منهمكاً في لملمة أوراقه وأغراضه، تمهيداً للرحيل عن البيت الأبيض. وحتى ذلك الحين، يبقى في أجواء هذه المغادرة النهائية، مثله في ذلك مثل باقي الرؤساء الذين سبقوه وقضوا ثماني سنوات في هذا البيت. الربع الأخير منها، غالباً ما كان بمثابة بداية العدّ العكسي لطيّ صفحة الولاية الثانية.

قدرة الرئيس، في هذه المدة، على التحكم بموازين القوى في الكونغرس لتمرير مشاريعه وسياساته، تبدأ بالضمور. وهج رئاسته يخفت، حتى لو كان الكونغرس تميل الكفة، في مجلسيه، لصالح حزبه، فهو لم يعد يحق له التجديد والتمديد، الانشغال بمعركة الرئاسة المقبلة يصبح محور الجذب.

حسابات الانتخابات تطغى على حسابات الرئيس. والمرشحون حتى الذين ينتمون إلى حزب الرئيس، يحرصون، من الآن وصاعداً، على وضع فواصل بينهم وبين ساكن البيت الأبيض، لئلا تنعكس عليهم سلباً أية هفوة يكون قد ارتكبها الرئيس. ولو كانت ولاية هذا الأخير لامعة ورصيده كبيرا، مثل رئاسة سابقه بيل كلينتون، التي حرص نائبه آل غور، في معركته الانتخابية عام 2000، على الابتعاد عن سيرتها وعدم الاستعانة بها في حملته، خوفاً من أن تنعكس عليه لطخة مونيكا ـ غيت.

وإذا كانت الحال هكذا، في الظروف العادية، وبالنسبة للرئاسة الغنية بالرصيد الإيجابي، فإنها في حالة الرئيس بوش من المتوقع أن تكون أشد وأقسى. في العادة يقول الأميركيون إن رئيسهم في السنتين الأخيرتين من ولايته المجددة، يصبح «كالبطة العرجاء». الرئيس بوش قد يصبح كالبطة المقصوص جناحاها. ذلك أن الإخفاق المكلف في حروب الخارج وبالصورة التي حصلت في العراق، لا تسامح لدى الأميركيين بشأنه. خاصة وأن تلك الحرب تكشفت عن تحايلات وتلفيقات وفبركات، ناهيك عن الفضائح التي رافقت مجرياتها وعن الورطة التي انتهت إليها، وكل ما يرافقها، حتى الآن، من تخبط وارتباك، سعياً وراء مخرج؛ لا تزال بوابته أقرب إلى السراب. فاتورتها السياسية كبيرة. أولى دفعاتها تمثلت بانتخابات الكونغرس قبل أسابيع.

كما تمثلت بتطيير وزير الدفاع رامسفيلد، لكن محاولة جعله كبش الفداء، لم تفلح في تحقيق الغاية. رصيد الرئيس لا يزال يتابع هبوطه. وصل إلى أدنى الدرجات المسجلة: 33% زاد من اهتزاز صورته إدارته، إن الرئيس أخذ يعوّل أكثر فأكثر على اللجان البرانية ـ مثل لجنة بيكر ـ لاجتراح الحلول لأزماته ومآزقه. في هذه الحالة يلح السؤال: ما عسى رئيس في هذا الوضع أن يفعل؛ خاصة في مجال السياسة الخارجية، وبالأخص في الشرق الأوسط!!.

الرئيس بوش مثل أي رئيس أميركي، يبقى ممسكاً بالقرار السياسي والعسكري؛ حتى آخر لحظة من رئاسته ـ ظهيرة يوم 21 يناير 2008 ـ هذا في القانون والصلاحيات. أما على الأرض فالمسألة تختلف لاسيما إذا كانت الرئاسة مثقلة بأعباء أوضاع داخلية، مثل الفضائح، أو خارجية مثل حرب العراق..

فهو في هذه الحالة مكبّل من ناحيتين: من جهة هو يفتقر إلى الدعم الداخلي. ومن جهة ثانية هو مقيّد باعتبارات وحسابات تخص معركة حزبه في انتخابات الرئاسة المقبلة؛ والتي تبدأ بواكير حملتها الانتخابية مع مطلع العام 2007. يضاف إلى ذلك أن على الرئيس بوش أن يتعامل، خلال المتبقي من رئاسته مع كونغرس، عادت الأغلبية فيه إلى أيدي خصومه الديمقراطيين؛ العازمين على الوقوف بوجه سياساته الداخلية والخارجية، بل التصدي لما تحقق منها ومحاولة نسفه، إذا أمكن خاصة المحلي منها.

أما بخصوص الشرق الأوسط؛ فإذا كانت مغامرة العراق والانقلاب في موازين القوى الداخلية، قد فرضا الضوابط على العقلية الحربجية التي تميزت بها إدارته، كما على المحافظين الجدد أصحاب هذه العقلية؛ إلا أن بصمات عهد الرئيس بوش مرشحة لتبقى نافرة على ساحته وحتى أمد ليس بالقريب. وبالتحديد على الوضع في العراق وفي فلسطين، على الأقل حتى مطلع عام 2008.

فالانسحاب من العراق الذي طالما رفض الرئيس بوش حتى جدولته، ليس من المتوقع أن يتحقق؛ بسبب التغيير الأخير في معادلة الكونغرس، أول أمس رفضت الأكثرية الديمقراطية الجديدة ـ في إطار استعدادها لتسلم زمام المبادرة ـ في مجلس النواب، انتخاب أحد رموز المطالبين بالانسحاب الفوري من العراق، لمنصب زعيم الأكثرية في المجلس، لا شك أن الرئيس شعر بالارتياح لمثل هذه الخطوة، وبالتأكيد لن يشعر بالخيبة، إزاء العلاقة مع إسرائيل.

حيث إن الديمقراطيين ليسوا أقل انحيازاً منه لها، ربما يقتصر الاختلاف على الإخراج فقط، لكن بقدر ما تتلاقى التوجهات الجديدة في الكونغرس مع رغباته في هذين المجالين، بقدر ما تبقى قدرة الرئيس على التقرير محدودة؛ عموماً. فهو لا يحظى حتى بالتفاف الجمهوريين كلهم حوله، عدد من كبار أركانهم بدأ منذ فترة يبتعد عنه. الاقتراب منه بات مكلفاً، وانتخابات الرئاسة على الأبواب، وكثير من هؤلاء الأركان ـ مثل جون ما كان ـ بدأ تقريباً في التخطيط لحملته الانتخابية.

في حساب الزمن، ما زال أمام الرئيس بوش نصف مدة رئاسته الثانية، فترة ليست قليلة، تتسع لأحداث وتطورات كثيرة وكبيرة، خاصة في منطقتنا، فالرئيس الأميركي بإمكانه كقائد عام للقوات المسلحة، حسب الدستور، أن يقوم بتكليف هذه القوات بعمليات عسكرية في الخارج لمدة ثلاثين يوماً قابلة للتجديد مرة واحدة؛ من دون الرجوع إلى الكونغرس وأخذ موافقته ـ باعتبار أن الدستور أناط بهذا الأخير صلاحية إعلان الحرب ـ وبموجب هذا الامتياز يمكن للرئيس أن يطلق شرارة أحداث تترتب عليها تداعيات وتبعات، بعيدة المدى، إقليمياً ودولياً لكن بحسابات السياسة، رئاسة بوش الابن أخذت مكانها والتصقت سيرتها بحرب العراق؛ بكل ما انطوت عليه وما تمخضت وسوف تتمخض عنه من نتائج وآثار مدمرة، ومن هذه الزاوية يمكن اعتبار هذه الرئاسة أنها انتهت في هذه الخانة، وربما يكون صاحبها قد انتهى إلى التقاعد قبل نفاد مدة إقامته الرئاسية في البيت الأبيض، فغرور القوة لا يفلت حتى الكبار من دفع ثمنه الباهظ.

فيكتور شلهوب