الطوارق قبائل بدو رحل في الغالب.. يجوبون المهاد والقفار، ويرتحلون من غيداء إلى بطحاء.. وفي كل مرة ينيخون الرحال أينما وجد الماء والخصب، وعادة ما يكون عند آبار محددة يعرف مكانها الجميع إلا غرباء المكان.
وأكثر ما يمارسونه من المهن تربية المواشي وخصوصا الإبل والغنم، وتوجد في فلكهم عدة قبائل عربية تنتشر في الإقليم.
ويظن البعض خطأ أنهم من نسل القائد البربري المسلم طارق بن زياد ومن هنا تسموا بالطوارق، ولكن الصحيح أنهم كانوا مجرد جنود في جيشه مطيعين...أما التسمية فيرجح أنها ولدت من «تماشق» أو «تمازغ» وتعني بلغتهم البربرية «الرجال الأحرار». وهذه هي اللغة التي يجتمعون على تحدثها وإن تأثرت باللهجة «القرشية» بصورة فاعلة، وبخاصة أن الطوارق اعتنقوا واتبعوا المذهب المالكي.
يكتبون لغتهم بالحروف «الفينيقية» وتعرف «التفيناق» ويتميز بكتابتها أهل الجنوب منهم، وتتحدث بها جميع بطون قبائلهم وخاصة الجنوبية منها. ويقسمهم المختصون إلى بدو الصحراء وتتركز غالبيتهم في منطقة فزان وبالتحديد مدينة «غدامس» في ليبيا وجنوب الجزائر وتونس.
والقسم الآخر يتمثل في طوارق الساحل المتركزين في مدينة «يلمدن» بدولة النيجر ومدينة «تمبكتو» عند منعطف نهر النيجر بدولة مالي. يضع الطوارق كلمة «كل» وتعني «بنو أو أهل» للتعريف بفروعهم.. التي نجد أشهرها.. «كل هغار» في منطقة جبال الهقار بالجزائر و«كل آجر وأراغن» في فزان بليبيا وهؤلاء يعدون من أهم قبائل «بدو الصحراء الداخلية» من الطوارق.. أما بالنسبة «لبدو الساحل» فأهم فروعهم «كل إيترام» و«كل آدرار» بجمهورية النيجر و«كل الأنصار» و«كل السوق» ويعرفون بالتجار و«كل غزاف»بجمهورية مالي.
ويعيشون في افريقيا منذ خمسة آلاف سنة، حيث تحكي كتب التاريخ أنه كانت لهم في البدء «سلطنة العير بعاصمتها «أكادير»، ولكن المستعمر فرقهم إلى شتات بين الجزائر والمغرب وتونس وليبيا ومالي والنيجر..حتى في بوركينا فاسو...!
وامتزجوا وتناسلوا مع سكان المنطقة من قبائل الزنوج «الماندينغ» و«الهوسا» و«الفلان»، فضموا البشرة السمراء إلى بشرتهم البيضاء..
وكما حصل الخلاف في تسميتهم، حصل الخلاف في عددهم، وإن كانت التقديرات تحوم حول الثلاثة ملايين وزيادة... نسبة 85% منهم في مالي والنيجر والبقية بين الجزائر وليبيا. وتذهب نفس التقديرات إلى أنهم يشكلون من 10% إلى 20% من إجمالي سكان كل من النيجر ومالي.
ويسمى شيخ القبيلة عندهم «أمونكل»، ومجلس أعيانه ومساعدوه يسمى «إيمغاد» أما الأفراد العاديون فيسمون «إيكلان» ويتبعون زعماء القبائل بشكل عفوي وراسخ.
وينقسمون - شأنهم في ذلك شأن المجتمعات البدوية التقليدية - انقساما وظيفيا، حيث تحدد مكانة الشخص حسب انتمائه إلى طبقات اجتماعية محددة، ومن الاعلى الى الأسفل نجد: إيماجغن: وهم السادة،إينسلمن: وهم الطبقة المهتمة بالتعليم والتعلم والدين، إيمغاد: الطبغة الغارمة، إينادن: طبقة الصناع التقليديين، بلاس أو بزوس: الأرقاء المحررون، إكلان: طبقة العبيد.
و هم خارج هذا عبارة عن كونفيدراليات قبلية كبيرة يمكن توزيعها إلى مجموعات من أبرزها: كل تماشق أي المتكلمين بالأمازيغية، كل أيِّير، كل غريس، أولمدن كل دنيك، أولمدن كل أتاريم كل تادمكت أو كل السوق، كل آدغاغ، كل انتصر ويذهبون إلى أن نسبهم من الأنصار.
اللثام .. سر الحياة
وعلى العكس من نسائهم اللائي يكن في الغالب سافرات للوجه، يلف الطارقي لثامه بإحكام على وجهه حتى لا يظهر سوى العينين،بطول أربعة أو خمسة أمتار.. يلازمه في الحل والترحال حتى عند تناول الطعام فانه يتناوله من تحته.. وإذا ظهر شيء من ستره فكأنما هو العار بعينه !. ويبالغون في القول انه إذا خاض غمار حرب وسقط لثامه لا يعرفه حتى أقرب المقربين له! وغالبا ما يكون هذا اللثام من القماش الأسود.
وحين تسأل عن السر في هذا اللثام، تجد الإجابة واحدة على كل لسان: رجال قبائلهم ارتحلوا ذات يوم بعيدا عن مضاربهم لغرض معين، فجاء العدو يطلب خيامهم التي لم يبق فيها غير النساء والأطفال وكبار السن. فنصح عجوز حكيم، النساء أن يرتدين ملابس الرجال ويتعممن وبأيديهن السلاح فيظن العدو أنه يواجه الرجال حقا، ففعلن وقبل التحامهن مع العدو ظهر رجال القبيلة ووقع العدو بين رجالها ونسائها وانكسرت شوكته، ومنذ ذلك اليوم عهد الرجال على أنفسهم ألا يضعوا اللثام جانباً، وهو تفسير أسطوري، غير أن الموضوع لا يحتاج إلى كبير بحث، فطبيعة المنطقة الصحراوية المتربة وما يمر بها من عواصف رملية، إضافة إلى زمهرير الشتاء القارس، كل ذلك يتطلب وشاحا يقي العين والجهاز التنفسي ومن الطبيعي أن يكون هذا الوشاح هو عمامة اللثام، بنفس المنطق نرى اللثام لدى شعوب وقبائل أخرى في نفس المنطقة.
هندام وأفراح وسلوك حياة
الرجل الطارقي تعرفه من سيماه، لثامه الفريد والذي من خلال بعض الرموز المصاحبة له تعرف موقع صاحبه في سلم المجتمع، ودراعة فضفاضة مطرزة الجيب، ويتحلى في الأغلب بخنجر أو سيف، يتفننون في تزيين مقابضه وأغشيته، وقد يكون المقبض من قرن وحيد القرن أو عاج الفيل وقد يرصع غلاف السيف بالفضة والذهب والأحجار الكريمة.
أما المرأة فتختلف حسب سنها، فالفتاة يضفر شعرها بعناية إلى عدد كبير من الضفائر التي تحلى بالخرز المتدلية على جبهتها في شكل التاج أو النجمة، وتتدلى الأقراط الذهبية من أعلى الأذن ومن حلمتها معاً، وفي هذه السن في الأغلب تلبس الفتاة دراعة سوداء فضفاضة وأحياناً زرقاء مطرزة بعناية بخيوط صفراء أو ذهبية اللون.
أما المرأة فوق هذه السن، فإضافة إلى بعض زينة الفتاة، تلبس خلاخيل في الساقين وأساور الفضة في المعصمين وخواتم في الأصابع، وقد تلبس ملحفة مزركشة ملونة بالأصباغ تماما مثل ملاحف النساء الموريتانيات.
ومن الغريب افتخار المرأة عندهم بالطلاق، وتسمى بعده «أحسيس» أي الحرة من أي التزام. والحكمة من ذلك أنها بتعدد زواجها وطلاقها تنجب الكثير من الرجال للقبيلة!! وهي مع كل هذا مجبرة على الزواج من الطارقي أبا وأما فقط!
الأطفال أيضا لهم طقوسهم الخاصة، اذ يتم حلق رؤوسهم منذ الصغر، بحيث لا يبقى إلا عرف في المقدمة، ولكل قبيلة شكل حلاقة معين فبعضهم يترك قرونا على جنبات الرأس أو خطا من الشعر في وسط الرأس، وعادة ما ينضج الطفل بسرعة ليشب عوده ويقوى على مهمة الرعي التي يتدرب عليها منذ الصغر، ولا مجال لنشاط ترفيهي آخر من قبيل التعليم إلا للقلة منهم في المدن وبعض القرى.
وفي مناسبات الفرح يعزف الطوارق على آلة وترية تشبه «التيدينيت» أو هي ذاتها، وأخرى تشبه الربابة تسمى «الزركة»، وتشارك المرأة الرجل المستعرض بسيفه في التصفيق وقرع الطبول والرقص الذي يتخذ شكل حلقات تتسع وتنقبض حسب اللحن .
و يقرع الطبل بإيقاعات ذات مدلولات مختلفة، وعادة ما يوضع في خيمة سيد القبيلة، فمثلا عند اتخاذ قرار الرحيل من المضارب يقرع بشكل معين بينما تدل دقات أخرى على خطر وشيك أو مناسبة معينة أو طلبا للنجدة عند فقد شيء بعينه.
يحتفل بارتداء الصبي للثام بعد تثبيت قطعة مربعة من الفضة فيه. يحدث هذا في سن الثامنة عشرة خلال حفل يكتنفه الغناء ويبرز فيه الفتيان مهارات المبارزة وألعاب الفروسية.
وعلى الفتيات وضع وشاح شفاف على رؤوسهن عند الثامنة عشرة يختلف عن ما تلبسه المرأة المتزوجة ويشير إلى كامل نضوجها واستعدادها لاختيارها زوجها، وعلى الرجل أن يدفع بحلي غاية في الجمال ومرتفعة الثمن للمرأة التي يريد الزواج بها مع إعطاء أبيها مهرها من الإبل. وللمرأة حق تملك الأرض والدواب ويورث الرجل فقط ابن وبنت أخيه طبقا لأعرافهم.
وللطوارق مهرجان كبير يقام في مدينة «اليزي» في الجزائر، يتبارون خلاله، ومن خلاله يظهرون للعالم ثقافتهم وأنماط حياتهم، وبعد أن تم تحديثه أخيرا، أصبحت تقام فيه مسابقات ملكات جمال الصحراء!!
واليوم تحاول البلدان التي يقعون تحت مظلة سيادتها، جاهدة، بناء حياة تجذبهم نحو الاستقرار في مدن حضرية تغري بالخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، لكي يتركوا حياة الترحال، ولكن الطوارق مازالوا يتمسكون ويواصلون رسم الصورة البديعة لحياة البداوة الأصيلة كما أحبوها وكما طبعتهم بميسمها.
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه
