كان الصيف سيئا لكن الشتاء سيكون أسوأ في العراق. وقالت الأمم المتحدة انه منذ الانخفاض الشديد في درجات الحرارة بالعراق فر ما يقرب من نصف مليون من العنف الطائفي إلى أنحاء أخرى من البلاد. وقال عبد الحسين ساجد وهو من كبار رجال العشائر وهو يرتدي الثياب التقليدية ويحتسي الشاي ويجلس على سجادة خارج كوخه الذي أصبح سكنا لعائلته المكونة من 23 فردا على مدى الأشهر القليلة الماضية «ليس لدينا كهرباء ولا مياه جارية».
وأضاف وهو جالس القرفصاء وسط الغبار والذباب في مخيم جديد تديره جمعية خيرية شيعية تابعة للزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر على أطراف بغداد «لم يعد بمقدورنا العيش على هذا النحو بعد الآن». وقال ساجد وهو من بين حوالي سبعة آلاف شيعي يعيشون في مخيمات بالمنطقة بعد فرارهم من بلدة الحصوة جنوبي العاصمة اثر مهاجمة مسلحين من السنة منازلهم قبل عدة شهور «يجب عمل شيء لمساعدتنا على إعادة بناء حياتنا».
وجاء في تقرير للأمم المتحدة عن حقوق الإنسان يصدر كل شهرين نشر أول أمس أن أعداد القتلى المدنيين من جراء العنف في العراق ارتفعت إلى مستوى قياسي حيث وصلت إلى 120 قتيلا في اليوم. ودفع مستوى العنف المتصاعد كثيرين للنزوح عن ديارهم. وبعد خطف وقتل أحد أبنائه ترك ساجد منزله الذي يملكه وباع سيارته ليشتري حديدا وحجارة لبناء كوخ يتكون من ثلاث غرف يعيش فيها حاليا مع ولديه وزوجتيهما وأطفالهم. ورغم انخفاض درجات الحرارة ليلا قال ساجد إن لا أمل له في العودة إلى الديار. وقال «إذا فرشت لي الطريق من هنا حتى الحصوة بالذهب لن أعود. . . لا يمكنني النوم ليلا لأنني اشعر بقلق دائم. لا أشعر بالأمان وأنا أتنقل وسط مناطق شيعية فكيف يمكنني التفكير في المرور بمناطق سنية مرة أخرى».
وساجد من بين ما لا يقل عن 420 ألفا نزحوا من ديارهم إلى أماكن أخرى داخل العراق خلال تسعة أشهر عقب تفجير مزار شيعي كبير في سامراء وهو ما فجر سلسلة من أعمال العنف الطائفي ومخاوف من احتمال اندلاع حرب أهلية بالبلاد. وقال ستار نوروز من وزارة الهجرة العراقية إن الأعداد ربما تكون اكبر بكثير لان كثيرين لا يسجلون عملية انتقالهم. وأضاف بنغمة متشائمة «نتوقع زيادة» الأعداد. وجاء في تقرير الأمم المتحدة أن 100 ألف آخرين يغادرون العراق شهريا وهو ما يعادل نسبيا هجرة مليون أميركي كل شهر مما يفرغ العراق من المهارات والكفاءات التي هو في أمس الحاجة إليها.
وقالت الأمم المتحدة في تقريرها «الشتاء الذي يقترب بسرعة يضيف مخاوف كبيرة بشأن سلامة هؤلاء الأكثر عرضة للخطر». وقال وليد جهاد وهو يحاول تدفئة نفسه داخل خيمة في بلدة السليمانية الكردية الجبلية الواقعة على بعد 330 كيلومترا شمالي بغداد والذي أجبرته ميليشيات شيعية على ترك منزله «أجبرت على ترك منزلي دون سبب وجيه». وأضاف جهاد (37 عاما) وهو عربي سني من الكاظمية وهي معقل للشيعة حيث قال إن مسلحين أمهلوه 48 ساعة للخروج من البلدة «أعيش في خيمة لأننا نمارس ديمقراطية الغابات حيث يقتل القوي الضعيف».
ومخيمات اللاجئين في السليمانية التي تعتمد على المساعدات الخيرية من الجيران الأكراد المتشككين واللجنة الدولية للهلال الأحمر قد تكون نموذجا للتوافق الطائفي الذي يقول عراقيون كثيرون إنهم يتذكرونه إذ يعيش السنة والشيعة في خيام جنبا إلى جنب. وفي مناطق أخرى تدير الأحزاب القائمة على أساس ديني مخيمات منفصلة. وعصام الذي يعمل في المنظمة الخيرية التي يشرف عليها الصدر تطوع للعمل في المخيم الذي يعيش فيه ساجد القادم من الحصوة. ويتذكر وجود بعض السنة هناك لكنه قال إن الخوف دفعهم للابتعاد منذ شهور. وقال «يوجد نقص في الثقة. انه أمر مشين». ويلقي السنة باللائمة على جيش المهدي التابع للصدر في بعض من أسوأ أعمال العنف التي شنتها فرق الاغتيال الطائفية وهو الاتهام الذي ينفيه. واكتسبت الحركة شعبية كبيرة نظرا لتقديمها مساعدات اجتماعية في مجالات أخفقت فيها الدولة في نموذج يشبه جماعة حزب الله الشيعية في لبنان.
وتثير تنشئة مئات الآلاف من الأطفال في مثل تلك الأجواء - نحو 26 مليون عراقي دون سن الثامنة عشرة - مخاوف بشأن تفاقم انعدام الثقة بين الطوائف. وقالت الأمم المتحدة إن هناك دلائل متزايدة على تعمد قيام المسلحين بتسكين عائلات النازحين من نفس طائفتهم في منازل نازحين من الطائفة الأخرى فروا من ديارهم وهو ما يقلص من فرص تصحيح هذا التوجه. كما أن التشدد الصارم إزاء الآخر يبدو جليا في العديد من ضواحي بغداد التي كانت ذات يوم موطنا لخليط ثري من الطوائف ينبض بالحيوية عبر العصور لكنها شهدت «تطهيرا عرقيا». وهو ما حولهم إلى أهداف سهلة لهجمات الجماعات المنافسة. كما أصبحت معارك المورتر بين الأحياء السكنية ظاهرة جديدة تذكر بالوضع في لبنان إبان حقبة السبعينات من القرن الماضي.
ويتبادل المسلحون في منطقة الاعظمية السنية على الضفة الشرقية لنهر دجلة وغالبية سكان هذه الضفة من الشيعة بشكل يومي التراشق بنيران المورتر مع جيش المهدي في معقله بمدينة الصدر. وقال أبو أحمد الذي يعمل كهربائيا في حي الحسينية الشيعي الفقير إلى الشمال من العاصمة انه فر من معقل المسلحين السنة في العامرية غرب بغداد لكنه يخشى حاليا على حياته لان المسلحين في منطقته الجديدة يتبادلون إطلاق النار بكثافة بشكل منتظم مع السنة في حي الراشدية. وأضاف «العنف في منطقتنا متأجج. تزوجت من سنية والآن عائلتها تتشاجر معي. . . أحيانا أتمنى أن أصحو وأجد أن كل هذا كان مجرد كابوس». (رويترز)