رجح دبلوماسيون غربيون أن يكون لاغتيال وزير الصناعة اللبناني، أهداف تتعدى الشأن الداخلي اللبناني، لتصل إلى ضرب المبادرة البريطانية تجاه دمشق من قبل معارضين لحكم الرئيس السوري بشار الأسد، فيما رأت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن دمشق بريئة من هذه العملية، مشيرة بأصابع الاتهام إلى «متضررين» من داخل النظام السوري، في حين خالف النائب اللبناني وليد جنبلاط التحليلات الغربية محملاً النظام السوري المسؤولية.
وذكرت صحيفة «التايمز» أمس، إن سياسة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير «الانخراط مع سوريا» تعرضت لتهديد مباشر مع تحميل دمشق مسؤولية اغتيال وزير الصناعة اللبناني بيار الجميل. وأضافت «وسط أجواء التوتر العصبي التي انتشرت بين أوساط الحكومة البريطانية بعد اغتيال الوزير اللبناني، أفاد الناطق الرسمي باسم بلير بأن جزءاً من حكم لندن على سوريا سيكون من خلال طريقة تصرفها في لبنان ويتعين التحقيق في الاغتيال قبل القفز على النتائج».
وتابعت الصحيفة أن سياسيين لبنانيين كباراً وجهوا أصابع الاتهام مباشرة ضد سوريا بعد اغتيال الوزير الجميّل، مع أن دمشق نفت أي صلة لها بالاغتيال وأدانته بشدة، مشيرة إلى أن دبلوماسيين «رجحوا إمكانية أن يكون متشددون في سوريا معارضين لسياسة الانخراط نفذوا الاغتيال».
وكان بلير فتح قناة دبلوماسية مع دمشق وأرسل مستشاره للشؤون الخارجية نايجل شاينوولد، إلى هناك ودعا إلى إشراك سوريا وإيران في جهود تهدئة العراق سببت بعض القلق في البيت الأبيض.
إلى ذلك، استبعدت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن يكون اغتيال وزير الصناعة اللبناني أمس بقرار من النظام الرسمي السوري. واعتبرت الصحيفة توجيه مسؤولين لبنانيين إصبع الاتهام لسوريا بعد اغتيال الجميل بأنه اتهام «روتيني للغاية».
وكتب محرر الشؤون العربية في «هآرتس» تسفي بارئيل انه «على عكس عمليات الاغتيال السياسي التي نفذت في السنة الأخيرة ضد سياسيين وصحافيين لبنانيين، يبدو الاشتباه بسوريا الآن روتينياً للغاية». وأضاف بارئيل ان «المنطق السياسي الخالص يستصعب دعم هذه الرواية، التي بموجبها أن القيادة السورية هي التي تقف وراء اغتيال الجميل». واستند بارئيل في تحليله إلى أنه «في اليوم الذي اغتيل فيه الجميل سجلت سوريا أحد أهم انجازاتها السياسية المهمة منذ خروجها من لبنان في ابريل 2005 فقد جدد العراق (أمس) علاقاته الدبلوماسية الكاملة مع دمشق التي انقطعت قبل 25 عاماً».
وأضاف ان«سوريا بدأت تحصل أيضاً على مصداقية شبه رسمية من واشنطن التي أعربت عن استعدادها لاعتبار سوريا عاملاً مسؤولاً وقادراً على تهدئة الوضع في العراق». وتابع «وليس أقل أهمية من ذلك، خصوصاً عشية يوم استقلال لبنان الذي يصادف اليوم، كان بإمكان سوريا تسجيل انجاز سياسي آخر في لبنان يتعلق باحتمال إسقاط حكومة فؤاد السنيورة أو زيادة قوة مؤيدي سوريا في هذه الحكومة بواسطة الإنذار الذي أطلقه حزب الله».
ورأى بارئيل أنه «لو تم تحقيق هذا الانجاز لكان بالإمكان أيضاً إرجاء تشكيل المحكمة الدولية في قضية مقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري أو أن تركيبة المحكمة كانت ستكون مريحة أكثر لسوريا».
وتابع انه «مع ثلاثة انجازات كهذه التي من شأنها تحسين وضع سوريا، فإن آخر ما تحتاج إليه دمشق هو اتهام جديد بتنفيذ اغتيال سياسي داخل لبنان، وبذلك تختلف عملية القتل هذه (اغتيال الجميل) عن اغتيال رفيق الحريري حيث أرادت سوريا عندها، على ما يبدو، تهديد معارضيها وليس أقل من ذلك تصفية خصم سياسي بدأ بتشكيل تحالف ضد سوريا، لكن الوضع مختلف الآن».
واعتبر بارئيل أيضاً أن اغتيال الجميل أضر بالخطوات السياسية لحزب الله الذي «سيواجه صعوبة الآن في إقناع الجمهور اللبناني بالتجند ضد حكومة قتل أحد وزرائها ولذلك فإن الجهد السياسي الذي بذله حزب الله لإعداد الرأي العام لانقلاب (على الحكومة) في بيروت قد يذهب هباءً».
ورأى أن الجميل «ليس ضمن الصف الأول من السياسيين اللبنانيين ومن أراد تنفيذ انقلاب سياسي بواسطة الاغتيال كان بإمكانه اختيار هدف أهم بدءاً من رئيس الحكومة السنيورة ومروراً بسعد الحريري وحتى وليد جنبلاط». وتابع «ومن الجائز أن أسباب اختيار الجميل كانت تقنية أكثر مما هي سياسية، إذ أن كل سياسي لبناني محاط بجيش صغير وبوسائل حراسة غير مألوفة فيما اكتفى الجميل بقافلة سيارات صغيرة».
لكن بارئيل أشار إلى أنه قد يكون القرار بقتل الجميل واختياره هدفاً قد صدر من أحد أجهزة المخابرات السورية «من دون علم القيادة السياسية ومن يرأسها», معتبراً أن ذلك «بمثابة حملة انتقام شخصية من جانب عناصر الأمن السوريين ضد من يعتبرونهم مسؤولين عن الضرر الذي سيلحق بهم جراء المحكمة الدولية». وخلص بارئيل إلى أنه «إذا كان هو التفسير فإن اغتيال الجميل يضع بشار الأسد في موقف حرج، حيث أجهزة المخابرات الداخلية في نظامه تعمل من وراء ظهره».
وفي بيروت اتهم الزعيم الدرزي وليد جنبلاط «النظام السوري» بأنه مستمر في عمليات الاغتيالات في لبنان، متوقعاً المزيد منها . وقال جنبلاط إن «النظام السوري استمر ويستمر بالاغتيالات، وأتوقع المزيد». وشن هجوماً على الرئيس السوري بشار الأسد وقال «ليعلم حاكم دمشق مهما استفحل بالقتل والاغتيال فهو مسمار إضافي في نعش النظام السوري».