اقر مجلس الأمن الدولي مسودة إنشاء المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بعدما ساهمت جريمة اغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل في سرعة اتخاذ القرار حسبما أفاد دبلوماسيون، في وقت توالت الإدانات الدولية والاتهامات، حيث اتهمت الإدارة الأميركية ضمنيا النظام السوري وحلفاءه، بينما أدانت طهران العملية ملقية مسؤوليتها على «أعداء المقاومة».

وأعلن السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة جان مارك دي لا سابليير، عن أن مجلس الأمن اقر مسودة إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال رفيق الحريري، بعد مناقشات طغى عليها نبأ اغتيال وزير الصناعة بيير الجميل.

وتم إقرار المشروع المنتظر منذ فترة طويلة والمدرج في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، قبل ساعتين من موعد حدده أعضاء المجلس الاثنين لانتهاء الجلسة. وتدعو الرسالة عنان إلى «اتخاذ الخطوات الأخيرة لانجاز الاتفاق بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية وبما يتوافق مع دستور لبنان».

وأكد سفير قطر في الأمم المتحدة عبد العزيز الناصر، الذي كان طلب توضيحات نهار الاثنين بشأن النص، إقراره بينما أكد نظيره الأميركي جون بولتون على انه «يشعر بالارتياح لهذه النتيجة».

وقرر أعضاء المجلس أن 51% من نفقات المحكمة ستتم تغطيتها بمساهمات طوعية من الدول الأعضاء، و49% منها من قبل الحكومة اللبنانية. وأشارت الرسالة إلى أن الأمين العام للمجلس سيبدأ عملية إنشاء المحكمة «عندما يتسلم مساهمات كافية لتمويل إقامتها ومبالغ تكفي لتغطية عملياتها لمدة 12 شهرا».

ويفترض أن يقر مجلس النواب اللبناني رسميا المشروع، ثم يصادق عليه رئيس الجمهورية بالاتفاق مع رئيس الحكومة.

وفي رسالة منفصلة وجهها إلى رئيس مجلس الأمن الدولي، قال السفير القطري إن إنشاء المحكمة برأيه «يتطلب عملية دستورية في لبنان تجري على عدة مراحل ليس اقلها أهمية موافقة الرئيس (اللبناني) والبرلمان».

لكن مندوبي فرنسا والولايات المتحدة، أكدا على أن هذه المسألة يجب أن يحلها اللبنانيون وان المجلس لن يتدخل في النزاع على دستورية موافقة الحكومة التي صدرت قبل أسبوع على الوثيقة التي تتضمن الأسس القانونية للمحكمة. وتقدمت فرنسا بمسودة هذا الإعلان التي وافق عليها جميع الأعضاء خلال جلسة تمت الدعوة إليها بشكل طارئ لمناقشة اغتيال الوزير الجميل.

وقال دبلوماسيون إن المحكمة ستتخذ مقرا لها خارج لبنان، وعلى الأرجح في قبرص أو ايطاليا، لأسباب أمنية وإدارية وأخرى تتعلق بفاعليتها وعدالتها. وقال مصدر دبلوماسي إن اغتيال وزير الصناعة اللبناني سهل إلى حد كبيير تبني رسالة مجلس الأمن، إذ لم يشأ أي بلد أن يبدو انه يريد عرقلة إنشاء المحكمة.

وستضم المحكمة ثلاثة قضاة هم أجنبيان ولبناني واحد وتشمل قاضيا للجلسات التي تسبق المحاكمة وغرفة محاكمة وغرفة استئناف تضم خمسة قضاة (لبنانيان وثلاثة أجانب) والمدعي ومكتب الدفاع.

وكان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، أعرب عن صدمته اثر تلقيه نبأ اغتيال الجميل وقال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن عنان أدان حادث اغتيال بيير الجميل الذي كان يؤمن بشدة بلبنان «ديمقراطي ومستقل وموحد».

وفي هذه الأثناء، ندد الرئيس الأميركي جورج بوش بقوة باغتيال وزير الصناعة اللبناني، وقال إن التحقيق يتعين أن يحدد القتلة وكذلك القوى التي تقف وراء مقتله.

وأضاف بوش في تصريحات أذاعها راديو «سوا»، «من اجل السلام يتعين على العالم الحر أن يلفظ أولئك الذين يعملون من اجل تقويض الأنظمة الديمقراطية الناشئة ويقتلون باسم ايديولوجيتهم البغيضة». وجدد بوش دعم بلاده للحكومة اللبنانية برئاسة فؤاد السنيورة و«جهودها للدفاع عن الديمقراطية ضد المحاولات التي تقوم بها سوريا وإيران وحلفاؤهما لبث عدم الاستقرار والعنف في هذا البلد الهام».

كما ندد النائب توم لانتس زعيم الديمقراطيين في لجنة العلاقات الدولية في «الكونغرس» الأميركي بحادث الاغتيال، وقال «إن الحملة السورية التي لا تلين للترويع وزعزعة الاستقرار في لبنان حصدت حياة مدافع بارز آخر عن الديمقراطية وان أفضل رد على ذلك هو أن يشدد المجتمع الدولي على التزامه بإجراء تحقيق كامل ولا يخضع للمساومة في اغتيال الحريري وفي جميع الاغتيالات السياسية اللاحقة في لبنان وهو تحقيق تسعى واشنطن بوضوح وبلا هوادة إلى حصوله».

وعلى الصعيد الإسلامي، ناشدت منظمة «المؤتمر الإسلامي» الشعب اللبناني التمسك بالوحدة الوطنية بعد مقتل وزير الصناعة، داعية الجميع للتعاون للوصول إلى حقائق ما يجرى في لبنان. وطالب أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام للمنظمة «الشعب اللبناني بضرورة التمسك بالوحدة الوطنية والتماسك إزاء هذا الحدث المؤلم والخطير الذي استهدف كيان لبنان كله».

وفي طهران، أدان الناطق باسم الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني «العمل الإجرامي» وقدم مواساته إلى الشعب اللبناني وأقارب الجميل. وأضاف «انه في الوقت الذي يحاول فيه لبنان أن ينأى عن التوترات ويتجه صوب السلام تم اغتيال الجميل بأسلوب خسيس». وحمل حسيني مسؤولية الاغتيال «لأولئك الذين لا يريدون تشكيل إجماع وطني ولا يريدون استمرار المقاومة المنتصرة في المنطقة».

وعلى الصعيد الدولي، نددت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بالاغتيال ووصفته ب« الجريمة الخسيسة»، وقالت أثناء افتتاح جلسة البرلمان الألماني لمناقشة موازنة العام المقبل «نريد جميعا أن يكون لبنان دولة مستقلة وأن تتوقف أعمال العنف بكل قوة ممكنة».

«التعاون» يدعو إلى وحدة لبنان

عبر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي الست ،عن أسفهم للاحتقان السياسي في لبنان واغتيال وزير الصناعة اللبناني بيير الجميل واستنكارهم لهذا العمل الإرهابي. وأكد وزراء خارجية دول المجلس على لسان أمين عام المجلس معالي عبدالرحمن العطية، رفضهم لمثل هذه الأعمال التي تهدف إلى إشاعة الفوضى. وأضاف العطية في بيان له ليل الثلاثاء أن وزراء خارجية التعاون الخليجي قدموا التعازي إلى أسرة الفقيد وشعب لبنان.

وأهاب بالوزراء باللبنانيين تجاوز الصراعات المحافظة على وحدة لبنان وتغليب لغة الحوار على أي شيء آخر بين مختلف القوى السياسية اللبنانية.