لاشك ان مرض«إنفلونزا الطيور» بات يشكل هاجسا كبيرا لدى معظم بلدان العالم الا ان الأمر في الجزائر يحمل الكثير من الطرافة فمشاهدة أي حمام ميت في الشارع يعني إصابته بالمرض، فبقدر ما كانت درجة الاستنفار قوية بقدر ما ساهم ذلك في تنقية كل شوارع العاصمة في الجزائر من الأوساخ، فكل مرة يتم فيها العثور على أي حمام في الشارع يتم مباشرة غسل المكان وكل الطرق المجاورة باستعمال المواد المنظفة، وهو ما استبشر به الجزائريون خيرا بالتأكيد ان المرض ـ الحمد لله ـ لم ينتشر في الجزائر الا انه ساهم في انتشار ثقافة الوعي لدى الجزائريين بتطبيق مقولة «الوقاية خير من العلاج».
وصارت مصادفة طائر نافق في أي مكان من البلاد يستدعي حضور مصالح الأمن والحماية المدنية (الدفاع الشعبي) والاختصاصيين وتقييم الوضع وتحرير التقارير البيطرية وإصدار تصريحات رسمية تطمئن الناس وتنبئهم بخلو البلاد من المرض مع المطالبة بضرورة تنظيف الشوارع.
ومن طرائف هذا الوضع تنقل عشرات من سكان العاصمة مفزوعين إلى مخفر الشرطة للإبلاغ بوجود «حمامة خطيرة» قرب نافورة ساحة الأول من مايو، ونزلت فرقة من الشرطة على جناح السرعة ومعها اختصاصيون وحملوا الحمامة الميتة بعناية إلى المخبر، ودب الذعر في بلدة بئر التوتة الواقعة بالضاحية الغربية للعاصمة الجزائر بعد اكتشاف 12 من الديوك الرومية نافقة بأحد المداجن لم يجد صاحبها سببا لنفوقها فتوجه مباشرة إلى الجهات المختصة وحرر محضرا في الموضوع ، ونشرت الصحافة الخبر ودقت ناقوس الخطر لاحتمال إصابة تلك الطيور بالانفلونزا، الا انه تبين فيما بعد ان الحمام مات من شدة العطش والجوع وانه لم يصب بمرض انفلونزا الطيور.
وتكررت حوادث مشابهة في عنابة وباتنة وسطيف وعدد من مدن وبلدات البلاد الأخرى. وتبعا لحالة الهلع الشديد هذا أعلنت السلطات رفعها درجة التأهب لمواجهة أي طارئ ودفعت وزارتا الصحة والفلاحة بمئات من الأطباء والبياطرة للانتشار في شكل فرق متحركة عبر نحو 300 نقطة في مختلف مناطق البلاد، اعتادت الطيور المهاجرة الإقامة بها سنويا، لكن بعد التحليل اقتنع الكل ان المرض لم ينتشر في الجزائر.
وكانت فرق عديدة قبلها قد انطلقت في العمل خاصة منذ اكتشاف حالات الفيروس القاتل «إش 1 إن 5 » في تركيا ومناطق أخرى من أوروبا. وأعلنت وزارة الصحة أنها اقتنت سبعة ملايين جرعة من الدواء، فيما أكد علي عون رئيس أكبر مجمع لصناعة الأدوية الشروع في إنتاج دواء « سامفلو» المضاد للانفلونزا خلال هذا الشهر بالشراكة مع شركة هندية متخصصة أبرم معها عقد بهذا الشأن .
و بناء على ذلك، سخرت الحكومة الجزائرية أجهزة الإعلام في حملة توعية واسعة تؤكد أن البلاد حتى الآن خالية من الوباء، وحتى في حال اكتشاف حالات فإنها لا تشكل تهديدا ويوضح الأطباء في حصص تلفزيونية و إذاعية أن المرض ينتقل من الطيور إلى الإنسان عن طريق جهاز التنفس بمعنى أن من لا علاقة لهم بالطيور لن يصابوا، وأكدوا أن من أصيبوا من البشر في آسيا وأوروبا هم من مربيي الدواجن وليس غيرهم، إلا أن الناس وخاصة ميسوري الحال امتنعوا عن استهلاك اللحوم البيضاء. وانهارت الأسعار بشكل غير مسبوق، وبلغ سعر الكيلو من لحم الدجاج 70 ديناراً ( أقل من دولار واحد) وفي بعض الجهات نزل إلى 50 دينارا بعدما كان في حدود 180 إلى 200 دينار. وأدى هذا الوضع إلى إغلاق عدد كبير من حظائر الدجاج والديك الرومي والسمان وغيرها من الطيور الدجنة.
وأعلن أكثر من نصف عدد المربين في البلاد ـ حسب تقارير صحافية ـ إقلاعهم عن النشاط في هذا المجال. ولم تمر هذه الوضعية دون تحريك الأقلام الساخرة فرحب رسام كاريكاتير الصفحة الأخيرة في يومية « الخبر» كبرى صحف البلاد بسحب يلامس نصف مليون نسخة بالانفلونزا التي جعلت لحم الدواجن في متناول الفقراء ومحدودي الدخل بعد ما كانوا لسنوات يكتفون بشم رائحته المنبعثة من المطاعم، وتأسف لكون المرض اقتصر فقط على الطيور. فلو انتشر داء « انفلونزا البقر» و «انفلونزا الغنم» لأمكن للفقراء أن يتناولوا وجبة باللحم الأحمر.
وأشارت بعض الكتابات إلى أن انفلونزا الطيور بقدر ما كان حدثا مزعجا ومرعبا كان عاملا حاسما في تعزيز مكاسب الديمقراطية بامتدادها إلى إشباع البطون كما ساهم أيضاً في حل مشكلة كانت مستعصية وهو تنظيف الشوارع التي كانت مكتظة بالقمامة في غياب ثقافة التنظيف لدى الجميع بما فيها السلطات المحلية والمواطنون، وهو الأمر الذي جعل معظم الجزائريين يرددون مقولة «مصائب قوم عند قوم فوائد».
