تحتفل سلطنة عمان اليوم بالعيد الوطني 36 المجيد وسط سجل حافل بالانجازات الحضارية والعمرانية التي شملت جميع نواحي الحياة، حيث كان العمانيون في عام 1970 على موعد فجر جديد أشرق عليهم مع تولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في البلاد لتشهد عمان من أقصاها إلى أقصاها ولادة فجر جديد شع فيه نور نهضة عمرانية حديثة سارت بعزم العطاء لبناء عمان الحاضر، حيث انتقلت السلطنة في عام 1970 إلى عهد جديد، واستقبل العمانيون جميعهم في الداخل والخارج سلطانهم القادم بالعزيمة والإصرار لبناء دولة عصرية يكون لها الوجود بين مصاف الدول المتقدمة في شتى المجالات.

وقد استطاع جلالة السلطان قابوس بن سعيد على مدى 36 عاماً أن يصنع لعمان بحنكته وحكمته الفريدة حضارة نموذجية وعلاقات متميزة مع كل الدول والشعوب وأن يبني ثوابت راسخة في السياسة الداخلية والخارجية، فغدت عمان اليوم دولة عصرية متكاملة ذات مكانة بارزة ومرموقة يشهد لها الجميع.

تمكنت مسيرة التنمية في سلطنة عمان أن تحقق انجازات شملت جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والصحية والأمنية والدفاعية والفنية والتقنية، وشمل ذلك أيضاً مجالات الخدمات الأساسية التي عمت الساحل والسهول والجبال والأودية والسفوح. ولم تكتف الحكومة في خططها عند هذا الحد بل جاءت لترسم مسار المستقبل بالتنويع في مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل وذلك بهدف تحقيق الأمن والاستقرار والعيش الكريم للمواطن العماني أينما وجد وفي كل مكان من ربوع عمان.

وأكد جلالة السلطان قابوس في أحد خطاباته أمام مجلس عمان (البرلمان) «ان المرحلة الماضية شهدت من خلال تطبيق خطط وبرامج متنوعة تحقيق أهداف النهضة المباركة التي وضعناها نصب أعيننا منذ اليوم الأول لانبثاق فجرها والتي تدور حول أربعة محاور أساسية هي تطوير الموارد البشرية وتطوير الموارد الطبيعية وإنشاء البنية التحتية وإقامة دولة المؤسسات.

وقد تم بحمد الله على امتداد المسيرة التنموية الشاملة وبالعزم والاجتهاد والصبر والمثابرة الكثير من المنجزات التي نعتز بها في كل محور من هذه المحاور خاصة في مجال تطوير الموارد البشرية الذي اعتقدنا منذ البداية ولا نزال نعتقد جازمين أنه حجر الزاوية في تنمية أي مجتمع».

وفي ذلك استطاعت التجربة الديمقراطية في سلطنة عمان أن تثبت نجاحها وتسير كما أراد لها جلالة السلطان قابوس حينما قال «لقد أردنا منذ البداية أن تكون لعمان تجربتها الخاصة في ميدان العمل الديمقراطي ومشاركة المواطنين في صنع القرارات الوطنية وهي تجربة يتم بناؤها لبنة لبنة على أسس ثابتة من واقع الحياة العمانية ومعطيات العصر الذي نعيشه».

وشهدت عمان تطورات متسارعة في بناء دولة المؤسسات والقانون وترسيخ مبدأ العدل والمساواة الذي يجسده استقلال السلطة القضائية بما يضمن حق المواطن أمام القضاء، ولعل إنشاء المجلس الأعلى للقضاء والمحكمة العليا ومحكمة أمن الدولة ومحكمة القضاء الإداري خير دليل على ذلك، أيضاً التطور الذي تشهده القوانين العمانية والتحديث فيها بما يساير ذلك ويستكمل الخطوات التشريعية اللازمة لتحقيق المزيد من الانجازات التي تشهدها السلطنة.

وكان آخر ذلك تعديل قانون العمل الذي أعطى الحق للعمال في السلطنة ان يشكلوا فيما بينهم نقابات عمالية وأن تشكل هذه النقابات اتحاداً عاماً، ويكون لذلك الاتحاد والنقابات الشخصية الاعتبارية المستقلة وهو ما أظهر قبولاً شعبياً واسعاً بين أوساط المجتمع العماني، كما تتجه عمان إلى إصدار قوانين أخرى منها على سبيل المثال قانون مساءلة الأحداث الذي يراجعه مجلس الشورى الآن وهو ما يعتبر مهماً في تكامل القوانين العمانية.

مجلس عمان

يتكون مجلس عمان من مجلس الدولة ومجلس الشورى، ويعقد مجلس عمان بدعوة من جلالة السلطان قابوس. ومنذ الفترة الثانية فان المجلس يجتمع في دور انعقاد سنوي، حيث يلقي جلالة السلطان قابوس خطاباً سنوياً شاملاً لإلقاء المزيد من الضوء على مختلف القضايا وتحديد خطوط العمل للمرحلة المقبلة، ويقوم مجلس الدولة بدور حيوي على صعيد التعاون بين الحكومة والمواطنين بحكم تكوينه ومهام اختصاصاته العديدة أبرزها إعداد الدراسات التي تسهم في تنفيذ خطط وبرامج التنمية ومراجعة مشروعات القوانين قبل اتخاذ إجراءات إصدارها، (باستثناء القوانين التي تقضي المصلحة العامة فيتم رفعها مباشرة إلى جلالة السلطان قابوس).

كما يدرس المجلس ما يحيله إليه جلالة السلطان قابوس أو مجلس الوزراء من موضوعات لإبداء الرأي فيها. ويبلغ عدد أعضاء مجلس الدولة (58) عضواً بينهم (9) نساء، وقد اختيرت إحداهن لتمثيل السلطنة في عضوية الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.

أما مجلس الشورى فيشكل بدوره رافداً آخر لتداول الشورى بمفاهيمها وتقاليدها العمانية العريقة المعروفة، حيث يضم المجلس ممثلين منتخبين عن مختلف الولايات، ويقوم المواطنون ممن بلغوا سن (21) ميلادية بانتخاب ممثلي ولاياتهم في المجلس وفق الأسس والقواعد المنظمة لذلك، والتي تجعل حق الانتخاب والترشيح من الحقوق الأساسية للمواطن العماني متى توفرت لدية الشروط الضرورية لذلك ودون أي تدخل من قبل الحكومة. وتمارس المرأة العمانية، يبلغ عددهن اثنتان من أصل 83 عضواً، دورها السياسي في الترشيح والانتخاب لعضوية المجلس كحق أساسي.

وقد جاء المرسوم السلطاني رقم 74/2003 تأكيداً على تطوير مسيرة الشورى في السلطنة والتي تتمثل في توسيع صلاحيات مجلس الشورى فيما يتعلق بمراجعة مشروعات القوانين والخطط التنموية الخمسية والموازنات العامة للدولة التي تحيلها الحكومة للمجلس قبل اتخاذ إجراءات اعتمادها واستصدارها في صورة تشريعات نافذة، كما تم زيادة فترة المجلس إلى أربع سنوات بدلاً من ثلاث سنوات وفتح المجال لإعادة الترشيح مرة أخرى.

وقد وجه جلالة السلطان قابوس بعقد لقاءات مفتوحة بين مجلس الوزراء ومجلسي الدولة والشورى بكامل أعضائهم خاصة مع كل فترة من فترات مجلسي الدولة والشورى وذلك لتحقيق أكبر قدر ممكن من التنسيق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ومن ضمن المهام الذي يقوم بها مجلس الشورى المشاركة في اجتماعات الاتحادات والبرلمانات العربية والإسلامية والاتصالات الثنائية المتبادلة مع المجالس الوطنية في الدول الشقيقة والصديقة، وقد بدأت سلطنة عمان في العام الجاري استعداداتها لترشيحات الفترة المقبلة لمجلس الشورى التي ستقام في شهر سبتمبر 2007.

الجولات السلطانية

تأتي الجولات السنوية التي يقوم بها جلالة السلطان قابوس في مختلف المناطق والولايات وانتهجها منذ سبعينات القرن الماضي كصيغة عمانية فريدة ووسيلة مثلى للتواصل والالتقاء بين الحاكم والشعب على بساط الوفاء والصفاء في وقت يكون فيه المواطن العماني بحاجة إلى أن يشكي همومه ويطرح قضاياه المختلفة إلى السلطان الذي من خلال هذا اللقاء يستطلع أمور وهواجس مواطنيه ويستمع إليهم عن قرب في برلمان عماني مفتوح يجمعهم على بساط الخير والمحبة وعلى أرض براري السيوح التي تحتضن المخيم السلطاني، ودوماً ما تأتي نتائج هذه الجولات بثمار طيبة تتمثل في إقامة مشروعات اجتماعية وتطويرية يكون المواطن بحاجة ماسة إليها.

مرتكزات السياسة الخارجية

انطلقت السياسة العمانية الخارجية باستراتيجية واضحة ومعلومة وضعت في اعتبارها مختلف المعطيات المحلية والإقليمية والدولية خصوصاً منها كيفية التعامل مع الأوضاع التي يمر بها المجتمع الدولي وما يصاحب ذلك من تكون شحنات مليئة بالحقد والكراهية بين بعض دول العالم، حيث ان عمان وكما يؤكد جلالة السلطان دائماً إلى جانب الحق والعدالة والصداقة والسلام وتدعو إلى التعايش السلمي بين الأمم والى التفاهم بين الحضارات واستئصال أسباب الكراهية والضغينة التي تتولد في نفوس من يعانون من الظلم وعدم المساواة.

كما ان سياسة عمان الخارجية قامت على عدة مرتكزات حددها جلالة السلطان قابوس بن سعيد منها عدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير وعدم قبول هذا التدخل من أحد وحسن الجوار واحترام السيادة الوطنية للدول والتعايش السلمي بين الأمم والانتصار لقضايا المظلومين والدفاع عنها، وبفضل الحنكة السياسية التي يتمتع بها جلالة السلطان قابوس فكان لعمان استراتيجية واضحة في سياستها الخارجية أوجدت من خلالها علاقات دوليه وإقليميه طيبة ومتميزة ذات روابط قوية ومتينة خصوصاً مع دول الجوار، كما أسهمت عمان وبشكل فاعل ورئيسي في مسيرة مجلس التعاون الخليجي سواء كان ذلك على المستوى الرسمي من قبل جلالة السلطان أم من خلال مواقفه الشخصية تجاه الكثير من الأمور والقضايا التي تدور في البيت الخليجي.

وانطلاقاً من هذه الرؤية فإن السلطنة ومنذ سبعينات القرن الماضي تبذل الكثير من الجهود من أجل تحقيق أوسع نطاق ممكن للتعاون بين دول الخليج وهو ما كان له أثره الملموس في إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وفي تطوير أدائه وتعزيز خطواته التكاملية في مختلف المجالات الاقتصادية والدفاعية والأمنية والإعلامية، وغيرها.

وفي هذا الإطار يجري الربط الكهربائي بين دول مجلس التعاون، كما يتم دراسة الربط المائي فيما بينها بناء على اقتراح السلطنة. وفي الوقت الذي تحرص فيه السلطنة على تنفيذ قرارات المجلس الأعلى لمجلس التعاون سواء بالنسبة للإتحاد الجمركي بين دول المجلس وتوحيد السياسة التجارية الخارجية لدول المجلس أو تنفيذ خطوات السوق الخليجية المشتركة وغيرها من مجالات التعاون الخليجي المشترك. فانه يوجد في مسقط المقر الدائم للهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الذي افتتح في 21/10/2003م.

وعلى الصعيد العربي فان للسلطنة أيضاً جهوداً كبيرة في مؤازرة جهود تطوير جامعة الدول العربية وإعادة هيكلتها لتقوم بدورها لصالح الدول والشعوب العربية في مختلف المجالات، كما تحرص السلطنة على الإسهام الإيجابي في تفعيل التعاون العربي اقتصادياً وتجارياً وإعلامياً وفي كل ما من شأنه تحقيق المصالح العربية سواء على المستوى الجماعي العربي أو على المستوى الثنائي. ودوماً ما تندد السلطنة بالممارسات التعسفية الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني.

أما بالنسبة للتطورات في العراق وفي إطار دعم السلطنة للعملية السياسية الجارية هناك، فإنها رحبت بانتخابات الخامس عشر من ديسمبر 2005م، وكذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية تمثل كل أطياف شعب العراق ضماناً لاستعادة الأمن والاستقرار في العراق الشقيق والحفاظ على وحدته وسلامة أراضيه وبما يسمح بإنجاح جهود إعادة الإعمار.

كما أن سلطنة عمان أيدت جهود تحقيق السلام في الشرق الأوسط منذ بدايتها على أساس الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة والمرجعيات الأخرى التي استندت إليها وصولاً إلى خارطة الطريق والمبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت وأعادت قمة الجزائر (مارس 2005م) طرحها.

وإدراكاً للروابط التاريخية لشعوب المحيط الهندي ولتعزيز نطاق التعاون والتفاعل الاقتصادي، فقد قامت السلطنة بدور فعال في إنشاء رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي للتعاون الإقليمي في عام 1997م، وتولت رئاستها في المجالات التجارية والاقتصادية والسياحية بهدف دعم التحرر التجاري وتشجيع الاستثمار وزيادة التبادل العلمي والتكنولوجي، كما يوجد بالسلطنة وحدة الدعم السمكي التي أنشئت في عام 2004م لتطوير التعاون في مجال الثروة السمكية بين دول الرابطة.

تنمية القطاع الاقتصادي

شهد الاقتصاد العماني خلال مسيرة التنمية نقلة نوعية وفرت له القدرة على النمو الذاتي وتنويع مصادر الدخل القومي والاندماج في الاقتصاد العالمي، وبما يمكنه من التفاعل الايجابي مع مختلف التطورات الإقليمية والدولية، وشهدت الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني 2020 مرحلة أكثر تطوراً من خلال توسيع قاعدة مشروعات الصناعات التحويلية المتوسطة والثقيلة وعبر الاعتماد بشكل أكبر على موارد الطاقة الوطنية خاصة الغاز الطبيعي المسال والموانئ التجارية والصناعة والسياحة والمناطق الحرة وتمكنت عمان في ذلك من تحقيق النجاح في سياسة التنويع للدخل القومي وتخفيف الاعتماد على النفط كمورد رئيسي وخفض نسبة الاعتماد على مساهمة النفط في الناتج المحلي الإجمالي.

ويعد قطاع الصناعة في سلطنة عمان من أهم القطاعات الإنتاجية التي تسهم في تنويع مصادر الدخل القومي وذلك لما يتمتع به هذا القطاع من خصائص وإمكانيات للنمو وتقوم الحكومة العمانية ببذل جهود كثيرة من أجل تطوير قطاع الصناعة وتمثل ذلك في دعم المشروعات الصناعية بشكل مباشر وغير مباشر إلى جانب توفير دراسات الجدوى للمشروعات أو الإسهام فيها ويأتي قطاع السياحة في السلطنة كذلك ضمن القطاعات المهمة التي يعول عليها الكثير من الدخل الاقتصادي، حيث أبدت السلطنة في السنوات الأخيرة اهتماماً ملحوظاً بتنمية قطاع السياحة ليسهم بدوره في العطاء والإنتاج باعتباره أحد القطاعات الاقتصادية الكفيلة بتعزيز البنية الاقتصادية للسلطنة.

توقيع اتفاقية التجارة الحرة

يمثل توقيع سلطنة عمان لاتفاقية التجارة الحرة مع أميركا أبرز التطورات التي شهدتها الساحة الاقتصادية بالسلطنة خلال العام 2006م وهي تأتي في إطار الخطوات الهادفة إلى تعزيز سياسات التحرير ودمج الاقتصاد العماني في الاقتصاد العالمي. وحيث أن الولايات المتحدة الأميركية من أهم الشركاء التجاريين للسلطنة فإن إزالة القيود التجارية معها بموجب هذه الاتفاقية سوف تؤدي إلى المزيد من الاستقرار والتطور في التبادل التجاري بين البلدين وتعزيز فرص الاستثمار لكلا الجانبين، حيث أنها تهدف إلى تحرير أكبر للسلع الوطنية المتبادلة بين الجانبين سواء أكانت منتجات زراعية أم صناعية.

وكذلك تحرير تجارة الخدمات، كما تتضمن مجالات التعاون في القضايا البيئية والعمالية، ومن المؤمل كذلك أن توفر الاتفاقية للسلطنة فرصاً للاستفادة من الإمكانيات الهائلة للولايات المتحدة في مجالات الاستثمارات والتكنولوجيا.

مسقط ـ علي البادي