بعدما ولجنا جميعاً بوابة العولمة. لم يعد من مفر أمامنا سوى الحوار بين الثقافات والحضارات المتزاحمة. غير أنه لابد من الانتباه إلى أن «الشرق شرق والغرب غرب» لكي لا ينفلت الطموح من عقال الواقعية. من دون آمال المحاور المنتصر، استقبلنا في «البيان» وفد البرلمان الألماني (البوندستاغ). تهيأنا لما تحمله عملية استكشاف الآخر من احتمالات لا تحد.. وانشغلنا في البحث عن لغة مشتركة لإقناعهم بالإصغاء إلى صوتنا، ولا سيما أن أصواتهم هي الأعلى.

لم نفاجأ بأن علينا ان نواجه مجدداً معضلة المعايير المزدوجة. فقد طرحوها بكل وضوح: ليست إسرائيل حقيقة مفروضة فقط، بل هي أيضاً جزء من عالمهم الغربي المتحضر، ولا ضير في امتلاكها اسحلة نووية بخلاف إيران. ولا ضير أن يكون فيها حزب ينادي مثلاً بإبادة الآخر بخلاف حركة «حماس» الفلسطينية التي شرط الاعتراف بها هو اذعانها للحقيقة الإسرائيلية.

رغم ذلك، بانت تمايزات داخل المعسكر الغربي تبشر ببعض التفهم: الألمان يرفضون منطق الحرب وتكرار السيناريو العراقي في إيران، وينفون تقديم أي معلومات استخبارية للأميركيين عن العراق، ويبقون الباب مفتوحاً لحوار مشروط مع «حماس». ربما كان الحوار وسيلة للبحث عن الحق والحقيقة، ورغم تواضع نتائجه المباشرة، الا أن فضيلته الأولى تكمن في اثارة الأسئلة لدى كل طرف.. كما نأمل تالياً:

نرحب بكم بداية في الإمارات. على قاعدة أهمية الحوار بين الثقافات. وهي فرصة لاستجلاء ملامح الرؤية الألمانية للعالم من كل الزوايا ولا سيما أنكم تمثلون الشعب وتتمتعون بحرية أكبر في التعبير على خلاف قيود البروتوكول الحكومي والاعتبارات الدبلوماسية.

* أهم القضايا التي تشغل منطقتنا هي الأزمات في العراق، وايران، وفلسطين. في الموضوع العراقي حاز الألمان على تعاطف الرأي العام هنا نظراً لموقف بلادكم المعارض للحرب. لكن التقارير الإعلامية بعد ذلك حفلت بتسريبات عن تعاون استخباري الماني مع الأميركيين، وهو ما يعني مشاركة غير مباشرة في الحرب، وبدأنا نشهد استهدافاً لرعايا المان في العراق من خلال عمليات خطف. كيف تفسرون تناقض هذا الموقف؟

ـ نائب رئيس البرلمان الدكتورة سوزان كاستنر ابتدأت الحديث بالقول: نشكركم جداً على هذه الفرصة. في البداية نحن نعتبر حرية الصحافة من أهم منجزاتنا رغم أنها تزعجنا أحيانا كبرلمانيين. وأرجو من زملائي البرلمانيين ان يدلوا برأيهم في موضوع الحوار لأنه لا تسلسل هرمياً بين ممثلي الشعب لدينا.

نحن في حكومة التحالف الألمانية بين الحزب الاشتراكي وحزب الخضر توصلنا مبكرا إلى قناعة رفض الحرب في العراق وان الحرب ليست هي الوسيلة الصحيحة لمحاربة الارهاب. وهو رأي الحكومة الالمانية الحالية ايضا. لكننا أوضحنا ايضا اننا جزء من الحملة الدولية على الارهاب. نعم تكفينا تقارير عن تعاون بين أجهزة الاستخبارات وهو ما نعتقد أنه أمر طبيعي وضروري.

لكن ما يهمنا هو كيف تم هذا التعاون الاستخباري. وعلى الفور طالبنا كنواب بالكشف عن تفاصيل ذلك. وركزنا في مطالباتنا على كيف كان اداء اجهزتنا الاستخبارية؟ بعد حصولنا على هذه المعلومات لم نجد أي عيب. فلقد تبين من التحقيقات أن المعلومات الاستخبارية التي أمدت بها أجهزتنا الاستخبارية، القوات الأميركية ساهمت في تفادي قصف وضرب منشآت مدنية كمستشفيات، باختصار ما حدث هو انه كان لدينا عنصران يتبعان جهاز الاستخبارات الالماني الخارجي في العراق، يتحركان وفق قوانيننا نحن.

* يعني هل يمكن وصف ذلك بالمشاركة المتواضعة والخجولة وغير المباشرة في الحرب؟

ـ لا، العكس هو الصحيح. فالحكومة الألمانية بحاجة إلى مخبرين أو مراقبين في أرض الحدث يمدونها بالمعلومات والصورة الواقعية.

* نعم لكن لا يعني ذلك ان تمرر معلوماتها هذه الى الأميركيين، كما قيل عن مدهم بمعلومات عن خطط عسكرية عراقية؟

ـ لا هذا لم يحدث أبدا. أنا متأكدة من ذلك. معلوماتنا الاستخبارية لم تصل إلا الى حكومتنا وهي طالبت الأميركيين بناء عليها بعدم قصف منشآت مدنية.

* اذن انتم تنفون ان تكون حكومتكم أو أجهزتكم الاستخبارية قدمت معلومات إلى الأميركيين. لكن برلمانكم انتم فتح تحقيقا واسعا في ذلك؟

ـ انتهى تحقيقنا البرلماني. وخلص الى اننا لم نسلم بتاتا أي معلومات استخبارية تخص الحرب للأميركيين بل العكس لم يكن لدينا معلومات كافية عن الحرب لأن كل ما كان لدينا في العراق هما اثنان فقط من العناصر الاستخبارية الخارجية. هنا تدخل النائب مايكل هينريتش قائلا: يجب ان نركز على أن المهمة الأساسية لجهاز الاستخبارات الألماني الخارجي في العراق هي توفير معلومات مستقلة لحكومتنا. لمدنا بصورة واقعية عن تطور الوضع في العراق.

* غريب جدا. الصورة المعممة أنكم تعاونتم استخباريا مع الأميركيين. ولم تبادروا انتم الى توضيح هذه الصورة بالنفي كما تفعلون الآن؟

ـ وضحنا ذلك. وأرسلنا نتائج التحقيقات إلى وسائل الإعلام. ما يحيرني، هو عدم نشر هذا. ولمصلحة من لا يتم ايصال حقيقة الموقف الالماني عبر وسائل الإعلام. هذا سؤال كبير. ومرة أخرى تدخل هينريتش: أود لفت الانتباه إلى ان اثارة هذا الموضوع تزامنت مع الانتخابات وتغيير الحكومة في ألمانيا. كان الهدف كما أظن اثارة مشكلات للحكومة الجديدة والمعلومات التي أثارت هذا الموضوع كانت من خارج ألمانيا وأحيانا يتم تضخيمها إعلاميا.

وتابعت الدكتورة كاستزر: حقيقة نبهتمونا إلى مسألة مهمة. فأنتم لو وصلتكم نتائج تحقيقاتنا لكنتم نشرتموها، وبالتالي علينا أن نكون أكثر حرصاً على نشر موقفنا بشكل أوسع وايصاله إلى الاطراف المعنية.

* بخصوص ايران. أطراف كثيرة تعارض الخيار العسكري ضد ايران. ما هو موقفكم من التحرك الأميركي ضد طهران. وهل ستواصلون ذات النهج من حيث رفض خيار الحرب من دون عمل أي شيء لاستبعاد هذا الخيار كما حدث مع العراق؟

ـ لا موقفنا ليس كالمتفرج. نتحرك دبلوماسيا وسياسيا مع كل المعنيين للتخفيف من حدة التوتر وتفادي تفجر الموقف. نعم أحيانا السياسة لا تفلح مع الواقع وتقع المصيبة من دون أن نتمكن من تفاديها، لكن نحن نحاول تفادي الكوارث، ونوضح لأصدقائنا الأميركيين فالصداقة تحتمل ذلك، ما الذي نرفضه ولا نوافق عليه. والمستشارة انجيلا ميركل زارت واشنطن مرتين وأبلغتهم بموقفنا.

ولا ننسى ان الولايات المتحدة دولة ديمقراطية. وهي على أبواب انتخابات وقد تغير هذه الانتخابات كل شيء. وهو ما حدث فعلاً حين هزم الديمقراطيون الجمهوريين الأسبوع الماضي (علماً بأن الحوار أجري قبل الانتخابات). وأود لفت الانتباه إلى اني عندما أتحدث عن أصدقائنا الأميركيين فإنني أعني الشعب الأميركي الذي ساعدنا نحن الألمان كثيرا، وأنا أؤمن بتوجهاته نحو السلام وعدم قبوله سياسات حكومته.

* كممثلين للشعب الألماني، كيف تنظرون إلى السياسة الأميركية فيما يختص بالملف النووي الإيراني، هنا في الشرق الأوسط إسرائيل لديها ترسانة نووية وهنالك كوريا الشمالية تلوح بترسانتها ولا تحرك أميركياً، كيف تنظرون إلى مسارعة الولايات المتحدة إلى التحرك ضد إيران تحديداً؟

ـ أوافقكم الرأي بأن المعايير التي تطبق على إيران يجب أن تطبق على جميع الدول، لكني أتوقع من إيران أن تفتح المجال للحصول على المعلومات التي يريدها المجتمع الدولي لا الولايات المتحدة.

* البريطانيون والفرنسيون وغيرهم استعمرونا مئات السنين وارتكبوا مجازر بيننا ونهبوا خيراتنا، ولا يشيرون بأي مسؤولية تاريخية تجاهنا؟

ـ بهدوء ترد كاستزر: هذا شيء يخصهم، حاسبوهم، أثني على ما قاله زميلي بحق إسرائيل في الوجود، نحن متفقون تماماً في البرلمان على ذلك، أتحدث بصفتي ألمانية ما مطلوب من إيران فتح المجال للتفتيش الدولي وهو أيضاً مطلوب من كوريا الشمالية.

* وإسرائيل؟

ـ هناك تعاون بين إسرائيل والهيئات المعنية، نحن في الغرب نعلم ذلك. يلفت هينريتش بدوره إلى أن الاتحاد الأوروبي طرح عدداً من المبادرات للتخفيف من حدة الأزمة الإيرانية، ونحن الأوروبيين نعترف بأن لدينا إمكانيات ومساهمات ويمكن إشراك مؤسسات أخرى في الجهود الجارية كمجلس التعاون والجامعة العربية.

* العالم النووي الإسرائيلي موردخاني فعنونو سجن 18 عاماً لأنه كشف عن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية، ولم نسمع أن زار مفتش دولي يوماً إحدى المنشآت النووية الإسرائيلية، هذا التعاون بين إسرائيل والهيئات الدولية الذي تتحدثون عنه لا ندري من أين استقيتم معلوماتكم عنه؟

ـ نحن الغرب نقيم الوضع الإسرائيلي بشكل أكثر سهولة لأن هناك انفتاحاً بيننا وبين إسرائيل، نستطيع تقويم الوضع أكثر من إيران، وهو الأمر الذي ربما يختلف لديكم.

* سؤال أخير: عقدة الذنب الألمانية تجاه إسرائيل هل تمنعكم من أن تبلغوا الإسرائيليين بأنهم يبيدون شعباً آخر، وهل أنتم بصفتكم منتخبين من قبل شعبكم تقبلون التعامل مع نواب مثلكم من حركة حماس هم أيضاً انتخبوا ديمقراطياً من قبل شعبهم؟

ـ أولاً: أرفض وصف عقدة الذنب، هو إحساس بالمسؤولية، انا من مواليد 1946 ولا أحس بالذنب لأنني لم أرتكب شيئاً، لكننا بناء على دراسة تاريخية نتحمل هذه المسؤولية.

وتأكدوا أن في ألمانيا هناك مبادرات كثيرة لاطلاع إسرائيل بما نفكر فيه، هناك عدد كبير من المسؤولين والمؤسسات مهتمون جداً بالوضع الفلسطيني ويبادرون تجاه ذلك، ودعمنا مشاريع فلسطينية إسرائيلية مشتركة ولا نزال ندعمها، لكن حماس هي حركة متطرفة تنكر حق إسرائيل في الوجود، نحن كبرلمانيين لا نستطيع الاعتراف بهذه الحركة، لكن لا نستبعد أن نبدأ في وقت ما حواراً مع برلمانيي حماس المنتخبين. كذلك كنا نأمل أن تذهب أموال المساعدات الأوروبية إلى من يستحقها من الفلسطينيين وليست كما استخدمت.

هينريتش يداخل مجدداً: أود أن أضيف أن أول زيارة لميركل إلى المنطقة كانت إلى إسرائيل، لكنها التقت محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، كذلك الاتحاد الأوروبي هو الذي صاغ المطالب أو الشروط للحوار مع حماس وهي أولاً الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود وثانياً التنازل عن العنف وثالثاً التفاوض بناء على خريطة الطريق، في هذه الحالة لا يوجد أي عائق أمام الحوار.

حق إسرائيل في الوجود

حينما سألت «البيان» الوفد الزائر عن السياسة الأميركية تجاه ايران سارع النائب هينريتش: «علينا أن نوضح بداية أننا نعترف بحق إسرائيل في الوجود وأن هذا الحق يجب أن يعترف به على المستوى الدولي ولا خلاف على الإطلاق بيننا نحن الألمان على ذلك، ولألمانيا مسؤولية خاصة على خلفية تاريخية». وقال «ان كل القوى السياسية في ألمانيا متفقة على تحمل هذه المسؤولية التاريخية».

حوار: خالد أبو كريم وحمد سالمين