قالت روسيا والصين إنهما تريدان مساعدة مصر على توسيع قاعدة وارداتها من الطاقة النووية، فاتحتين بذلك الباب أمام تقوية علاقتيهما مع مصر، لكن ما يؤدي إلى زيادة المخاوف من الانتشار النووي في المنطقة أيضاً.
ومع مواجهتها لاحتمال نقص في الوقود والنفط خلال العقود المقبلة، قال الرئيس المصري حسني مبارك في سبتمبر الماضي، إن مصر ستتحوّل إلى الطاقات البديلة بما في ذلك الطاقة النووية. ولقيت هذه الدعوة العلنية للتحول إلى الطاقة النووية ترحيباً جيداً من روسيا والصين إلى جانب الولايات المتحدة.
وبعد اللقاء الذي جمع الرئيس مبارك مع الزعيم الصيني هو جينتاو الثلاثاء الماضي، ذكرت وسائل الإعلام الرسمية الصينية أن الصين وافقت على التعاون مع مصر لتحقيق طموحاتها النووية. وقبل زيارة مبارك إلى الصين توقف في موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأعلن مسؤول روسي عقب اللقاء إن روسيا ستعرض على مصر مساعدتها في مشاريعها النووية.
كما يبدو أن الولايات المتحدة مرشحة للتورط في هذه المسألة. فبعد إعلان الرئيس مبارك مباشرة في سبتمبر، قال السفير الأميركي في القاهرة على شاشة التلفزيون المصري إن الولايات المتحدة راغبة بتقديم المساعدات التقنية. واستغلت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس زيارتها إلى القاهرة في أكتوبر الماضي لتعرب عن دعم الولايات المتحدة لبرنامج طاقة نووية مصري.
ولروسيا والولايات المتحدة تاريخ طويل من مساعدة مصر في برنامجها للطاقة النووية. لقد قدّمت الولايات المتحدة في الخمسينات من القرن الماضي مختبراً للأبحاث من خلال برنامج »ذرات للسلام« في حين قدّمت روسيا مولداً بقدرة (2 ميغاواط). ولا يزال المولّد يعمل في ضاحية إنشاص شمالي القاهرة، وكذلك الأمر بالنسبة لمولد بقدرة 22 ميغاواط اشترته مصر من الأرجنتين في العام 1997.
وبغض النظر عن علاقات الدولتين مع مصر في الماضي، فإن روسيا والصين تسعيان وراء مصالحهما المستقلة والواسعة من خلال العلاقة النووية معها، استناداً للسفير ميتشل ريس نائب رئيس قسم الشؤون الدولية في كلية الحقوق التابعة لجامعة ويليام أند ماري في ويليامسبورغ بولاية فيرجينيا.
وقال »على افتراض أن روسيا والصين مهتمتان، بالطبع ستكون وراء ذلك دوافع سياسية. روسيا تتطلع للعودة إلى اللعبة في الشرق الأوسط ومصر هي أكبر دولة عربية نافذة«. وأضاف »أطلقت الصين مؤخراً مبادرة طموحة جداً لتوسيع نفوذها في افريقيا وإضافة مصر إلى هذا النفوذ سيشكل جزءا من مقاربتها الأوسع للحصول على النفوذ الإقليمي«.
ويرى جون تاسيك الخبير في الشؤون الآسيوية في معهد »هيرتاج« المحافظ في واشنطن الوضع من زاوية أخرى. وقال تاسيك »ترى روسيا والصين فرصة لجذب مصر من المعسكر الأميركي على الرغم من الحجم الكبير من المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها الولايات المتحدة لمصر«.
غير أن الولايات المتحدة من ناحية أخرى قد تكون قلقة من احتمال انتشار تقنية السلاح النووي أكثر من قلقها حيال توسيع نفوذها. وقال ريس »قلقنا الأول هو أن لا يصار إلى نقل تقنيات نووية حساسة مثل تقنيات فصل البلوتونيوم أو تخصيب اليورانيوم وأن تخضع جميع التقنيات التي يصار لنقلها إلى معايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية«. وأَضاف »والقلق الآخر هو أن تحظى الشركات الأميركية بالفرصة العادلة للتنافس للحصول على هذه العقود«.
وعلى الرغم من التصريحات المصرية بأن اهتمام القاهرة ينحصر في الطاقة النووية السلمية، لكن أحد مخاوف المجتمع الدولي هو أن تحاول مصر سراً تطوير برنامج أسلحة نووية، لموازاة الترسانة الإسرائيلية النووية المفترضة. وقال بروس أونغر أستاذ العلاقات الدولية في جامعة راندولف ماكون في مدينة أشلاند بولاية فيرجينيا »بما أن تطوير الطاقة النووية لغايات سلمية مسموح وفقاً لاتفاقية منع الانتشار النووي، شرط وجود معايير مناسبة لمنح تحوّل هذه الصناعة، فما نحتاج إليه هو وضع هذه المعايير والإشراف على احترامها«.
وأضاف »وإحدى الوسائل هي إقامة وإدارة مراكز وقود نووي تحت إشراف أو مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ما أعرفه هو أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية في صدد التقدّم بمثل هذه المبادرة«.
وفي العام 1981 صادقت مصر بالكامل على اتفاقية منع الانتشار النووي التي تحظر عليها تطوير برنامج أسلحة نووية. وقال تاسيك إنه إلى جانب وجود أسباب تدفعها للسعي نحو امتلاك الطاقة النووية، فقد تكون هناك دوافع أخرى أمام مصر تدفعها للحصول على الأسلحة النووية. وقال »لقد وصلت مصر إلى مرحلة عانت فيها من وفرة النفط لذا قد تنظر إلى الطاقة النووية كبديل منطقي. غير أن مبارك وقيادة الجيش المصري قد ينجذبون بالتأكيد نحو الحصول على سلاح نووي لتحقيق التوازن بين الأسلحة الفارسية والأسلحة العربية«.
وعلى الرغم من المخاوف الجدية من الانتشار النووي في الشرق الأوسط وخاصة من قبل إيران، فإن مصر دعمت دائماً وجود منطقة خالية من السلاح النووي بهدف الضغط على إسرائيل. ومارست ضغوطاً كبيرة خلال العام الحالي من أجل إدراج فقرة في مشروع إحالة ملف إيران النووي الى مجلس الأمن الدولي الذي أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية، يتضمن إشارة إلى ضرورة إيجاد منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط.
وفي حين تجري فيه مناقشة المخاوف والدوافع، فإن البحث في مستقبل مصر النووي قد يكون أكاديمياً ما لم تقم روسيا، الصين أو الولايات المتحدة بتوفير أكثر من مليار دولار لتمويل مشروع بناء مفاعل نووي جديد في مصر.
وقال ريس »ما لم يتم تمويله بشكل كبير من الدولة المصدرة، فإن مصر لا تملك الاحتياطات الكافية من العملات الصعبة لتمويل برنامج نووي مدني«. وقد حاولت مصر شراء مفاعلات نووية منذ ستينات القرن الماضي، وغالباً ما فشلت بسبب عدم قدرة القاهرة على تمويل هذه المشاريع. وهذا النقص في التمويل كان سبباً في تخلّي مصر عن فرصة شراء مفاعلين نوويين عشية كارثة تشرنوبيل النووية في الاتحاد السوفييتي السابق خلال العام 1968.