المدرجات اليمنية ظلت مصدراً لقوت الآباء كما هو حال بعضها شاهد على ذلك كلوحة جمالية تتصاعد منحوتة في جبال شاهقة موزعة على كل البلاد، هذه المدرجات الإنتاجية والجمالية التي ميزت الحضارة اليمنية ومثلت أهم معالمها باتت اليوم عرضة للتدهور والاندثار.
فالكثير من العاملين في الزراعة هجروا القرى بسبب قلة مردودية حقول المدرجات، حيث لم تعد في السنوات الأخيرة تدر محاصيل بالقدر الذي كانت عليه في الماضي نتيجة لعدة عوامل أهمها تعرض البلاد خلال العشرين السنة الأخيرة لموجة جفاف ضربت الكثير من مناطق البلاد مما اضطر الكثير من الشباب في سن العمل إلى البحث عن فرص عمل في المدن بدلاً من الاشتغال بالزراعة.
ويقول المهندس الزراعي عبدالرب ناجي محسن ان ثمة عامل آخر وراء هجر الشباب للعمل في الزراعة وهو أن العمل في المدرجات عادة ما يتطلب جهوداً مضاعفة بسبب مواقعها في المرتفعات الجبلية، والصعود والهبوط إلى تلك المدرجات يتطلب بذل جهد كبير من طاقة العمل مقابل مردودية ضئيلة،
إذ من المعروف أن المدرجات بشكل عام تعتمد بدرجة رئيسية على الأمطار وأغلبها تزرع الحبوب كالقمح والذرة والدخن، والعائد المتحقق من هذه المحاصيل هو هزيل مقارنة بما يمكن أن يحصل عليه المزارع في إنتاج الخضروات والفواكه أو القات فيضطر الكثير من العاملين في هذه الحقول إلى هجرها بحثاً عن فرص تدر مداخيل أوفر مما تدرها عليهم زراعة المدرجات.
ويرى يحيى هائل باحث في السيكلوجيا ثمة عامل آخر يدفع شباب اليوم إلى هجران العمل في حقول المدرجات العالية وهو أن العديد من شباب اليوم أصبح أكثر ميلاً للدعة والراحة بفعل تواصله بالعالم الخارجي عبر القنوات المتلفزة التي تغذي الخيال لديه بتصوره لعالم المدينة كعالم واعد مفتوح على الثراء ومعرفة الجديد والاحتكاك بالأجد والأجد، فيهجرون القرى بحثاً عن فرص في المدينة
كما تصوروها وليس كما هي لأننا نجد ان أغلب هؤلاء المنتقلين إلى المدينة كثيراً ما يمارسون أعمالاً شاقة في قطاع البناء والتشييد والنقل أو في اقتصاد الظل وبمشقة تفوق ما يبذلونه في المدرجات الجبلية وهذا بطبيعة الحال ساهم بشكل كبير في تدهور المدرجات وتراجع الاهتمام بها مما قد يؤدي إلى انهيارها بسبب إهمال الأبناء بعد أن شيدها آباؤهم.
ويقول علي وازع الجعشني: هذه المدرجات بنيت في مناطق جبلية على أكتاف الأجداد الأوائل وهي تحتاج إلى اهتمام متواصل نظراً لأنها في المرتفعات الجبلية التي تجعل جدرانها دوماً آيلة للسقوط مما يحتم على المزارع إصلاحها من حين إلى آخر كلما شاهد أن جزءاً من أحجار جدرانها بات مهدداً بالانهيار أو السقوط.
وهذا يعني أن بقاءها وديمومتها مرهونة بصيانتها باستمرار من قبل المزارعين ناهيك عن أن وجودها في هذه المناطق الجبلية يجعلها دائماً عرضة للانجراف بسيول الأمطار التي تتركز بصفة رئيسية في هذه الجبال.. فالجفاف عندما يأتي يدفع بالمزارع لإهمال المدرجات،
وكما هو معروف دورات الجفاف غالباً ما تلحقها مواسم مطيرة تصل في بعض الأحيان إلى حد كبير من التساقطات الغزيرة مما يحمل معه خطراً كبيراً على تلك المدرجات التي تقع عادة في طريق السيول الناجمة عن موجات تلك الأمطار. ويرى المختصون أن التدهور الحاصل في المدرجات اليمنية سيؤدي إلى تراجع المساحة الزراعية في البلاد في الوقت الذي تنعدم فيه الوسائل المبتكرة لحماية جدران تلك المدرجات من الانهيار والتدهور
نظراً لاختلاف الظروف التي شيدت فيها تلك الحقوق الجبلية والتي اعتمدت في المقام الأول على جهد الإنسان وقوته الذاتية باعتبارها مصدر رزقه وخيره فيما أصبح الآن ذلك الإنسان ميالاً للعزوف عن العمل في المرتفعات الشاهقة لأنها لم تعد تدر عليه الكثير، ولهذا يرى المتابعون لهذه الظاهرة الخطيرة التي تهدد أهم معلم من معالم الحضارة اليمنية العريقة أن تدارك انهيار المدرجات يتطلب وقفة جادة من قبل السلطات العامة للمحافظة على المدرجات الزراعية التي لونت الطبيعة اليمنية منذ القدم بلوحة فريدة الجمال.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
