تميزت الحملة الانتخابية الجارية في موريتانيا بمشاركة سياسية منقطعة النظير شملت كافة الأطياف السياسية في البلد، عكسها الكم الهائل من اللوائح الانتخابية التي تخوض المنافسة كما أن تشكيل اللجنة الوطنية المكلفة بالمسلسل الانتقالي والمرصد الوطني للمتابعة والإشراف على الانتخابات وكذلك حضور أعداد كبيرة من المراقبين الدوليين كلها أمور ميزت هذا الموسم الانتخابي الاستثنائي في هذا البلد، الذي ميزه ايضا تباين الخطاب السياسي بعدما كان محتكرا في السنوات الماضية من قبل السلطة.
وعكست الحصص المجانية في وسائل الإعلام الرسمية هي الأخرى أحد جوانب هذا التميز، وترجمت عزم السلطات إشاعة جو من المساواة والإنصاف بين المتنافسين في هذه المعركة من خلال منح كافة التشكيلات حصة محددة وفق معايير اقترحتها الهيئة العليا للصحافة وحظيت بإجماع الأحزاب. المتابع لهذه الحصص يدرك بوضوح أن الأحزاب السياسية انقسمت في خطابها السياسي إلي ثلاثة أصناف خلال الأسبوع الأول من هذه الحملة.
الصنف الأول ويمثله حزب تكتل القوى الديمقراطية وحزب التحالف الشعبي التقدمي، بادر إلى استباق الحملة الرئاسية باعتبارها الرهان الحاسم في اللعبة السياسية، وركزت هذه المجموعة حملتها على خطاب حملة رئاسية في شكل برنامج سياسي حزبي لحملة رئاسية.
ورغم أن علاقة هذه الأحزاب بالعسكريين شابها التوتر الكبير مؤخرا بسبب أزمة المستقلين ، إلا أنه من الواضح أنها حاولت أن تنأى بهذه الخصومة عن الحملة الحالية حتي لا تضيع فرصتها في الرئاسيات من منطلق أن حياد المجلس العسكري اتجاهها ضروري لكسب الرهان القادم، ولذلك لم تطرح هذه الأحزاب أزمة المستقلين في خطابها الجديد، وحاولت الابتعاد عن توجيه عبارات نابية تجاه السلطة الحالية.
ولعل خطاب الرئيس أعلي ولد محمد فال الذي سبق انطلاق الحملة وإن اتسم ببعض من التشنج- حسب الأحزاب ، إلا أنه قابل للتوظيف في هذه الحملة لما يحمله من تعهدات الحياد والشفافية وذلك ما أدركته هذه الأحزاب حسب النغمة الجديدة في خطابها .
أما الصنف الثاني فهو ما يمكن أن نسميه بالأحزاب العقدية التي تحركها انتماءات آيديولوجية وفكرية مثل الإسلاميين والصواب والفرسان وهي أحزاب خصصت الأيام المنصرمة من الحملة الجارية لعرض رؤاها وأفكارها، وتنطلق هذه الأحزاب في رؤيتها من مبدأ الرهان على ديناميكية التغيير ودور المبادئ في هذا التغيير. وكانت النغمة المسيطرة على هذا الخطاب هي نقد الوضع الاجتماعي والحالة السياسية والمطالبة بالتغيير الحضاري والاجتماعي العميق.
أما المجموعة الثالثة فقد ركزت على البحث عن المواقع داخل اللعبة السياسية بالتمحور على الزعامات السياسية والولاءات المحلية، فهي أحزاب تتخذ خطابا توافقيا إجماعيا ولا تصطدم بالمؤسسة العسكرية، ويمثل هذا الصنف كلا من حزبي الاتحاد من أجل الديمقراطية والتقدم والتجمع من أجل الديمقراطية والوحدة.
ويبقى الدرس المستخلص من الحملة الانتخابية في أسبوعها الأول أنها تحولت إلى حملات عديدة من بينها حملة رئاسية سابقة لأوانها وحملة آيديولوجية للتعبئة السياسية وحملات محلية تعبر عن التوازنات القبلية والمحلية وعن الصراعات الداخلية المحتدمة على كل الأصعدة في الداخل.
نواكشوط ـ «البيان»