مع إحياء الذكرى الثانية لرحيل ياسر عرفات تترسخ أكثر رواية الاغتيال بالسم بين معاوني الرئيس الراحل الذي حوصر في مقر إقامته حتى الموت، وفي مزازاة تعزز هذه الرواية، تعهد أكثر من مسؤول فلسطيني على مواصلة التحقيقات وتعقب المشتبهين وصولا إلى الحقيقة كاملة.

اما احمد عبد الرحمن مستشار عرفات فلديه فرضية أكثر تفصيلا مفادها ان عرفات تعرض لتسمم عبر الأذن، وذلك على غرار رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الذي تعرض لمحاولة اغتيال بهذه الطريقة على أيدي عملاء إسرائيليين أثناء وجوده في الأردن عام 97.

يقول عبد الرحمن« أصيب أبو عمار بالتهاب في الأذن في 25من سبتمبر عام 2003، ومنذ ذلك الوقت بدأت حالته الصحية في التدهور إلى ان توفي دون معرفة السبب المباشر وراء هذا التدهور او وراء الوفاة بعد ذلك بعام». وأضاف «كان مكتبي قريبا من مكتب عرفات، وكثيرا ما كان يأتي ليجلس إلى جانبي.

وكثيرا ما كنا نتمشى في ساحة المقاطعة، وبدأت ألاحظ التغيير على جسده. في البداية ظهرت تشققات والتهابات في رجليه، ثم في مؤخرته ثم في وجهه، وعندما كنت اطلب منه إجراء فحوص طبية كان يقول :لا، انا اعرف السبب، انه وجودي هنا في الحصار حيث لا استطيع المغادرة»، و«طوال الوقت ظلت أذنه تؤلمه».

ويشير إلى ان« اشد فترة مرت على عرفات كانت فور إصابته وعند وفاته. ويقول« عند إصابته تعرض لانهيار صحي، وقد استدعينا في حينه العديد من الأطباء من الوطن والخارج دون ان يكتشفوا السبب .في تلك الفترة أمضى 16 يوماً في السرير فقد خلالها 13 كيلوغراماً من وزنه. وعند وفاته حدث الانهيار الأكبر في تكسر الصفائح الدموية الذي قاد لتلف الجهاز الهضمي والكبد والكلى إلى ان وافته المنية في الحادي عشر من نوفمبر2004».

ويعتقد عبدالرحمن ان تسميم عرفات جرى عبر فم الفاعل، ويوضح «اعتقد ان الفاعل احضر معه بالون غاز صغير بحجم حبه العدس، واقترب من عرفات، وقبله ثم قام بتفجير البالون بأسنانه ونفخ الغاز السام في أذنه ثم غادر إلى إسرائيل وتلقى ترياقا لتخليصه من السموم».

ومضى «كثيرا ما كان عرفات يستقبل العشرات ويحضنهم ويقبلهم، وربما حدث ما حدث في واحدة من هذه الحالات التي يكون فيها الرجل بين أحضان الكثيرين»، مشيرا إلى ان عرفات استقبل في 27 سبتمبر 2003 وفدا من نحو مئتي شخصية معظمهم من النساء «وكعادته بدا يصافح أعضاء الوفد ويقبلهم لكنه شعر بألم شديد وتقيأ وطلب من مرافقيه ان يعيدوه إلى مكتبه».

غير ان عبد الرحمن لم يستشر أي مختص في ذلك ويقول «هذه فرضية شخصية لكنني على ثقة كبيرة بها، أما بسام أبو شريف، الذي عمل مستشاراً لعرفات لمدة 15 عاماً وحتى وفاته، فيقول بوكالة «فرانس برس »، «حذرت عرفات شفهيا عدة مرات وبرسالة رسمية وجهتها له من ان إسرائيل تريد قتله بالسم».

ويضيف أبو شريف «أرسلت هذه الرسالة بناء على معلومات من صديق في واشنطن نقل إلى ان الرئيس الأميركي جورج بوش اتصل برئيس الحكومة الإسرائيلية انذاك ارييل شارون وطلب منه ان لا يمس الرئيس عرفات خلال حصار الجيش الإسرائيلي للمقاطعة في رام الله».ويوضح ان «شارون أعطى لبوش وعدا بذلك».

وينقل عن صديق أجنبي له في القدس «معلومات مؤكدة» مفادها بأن شارون قال للمجلس الوزاري المصغر انه وعد بوش بأنه لن يمس عرفات. وأثناء خروج شارون وموفاز من الاجتماع دار حديث ثنائي بينهما اذ قال موفاز لشارون «أنت وعدت بالا تقتل عرفات بالقصف لكن هناك طرقا أخرى وهذه فرصتنا». ويؤكد أبو شريف انه بحسب رواية صديقه «لم يعلق شارون ونظر إلى موفاز وقال له :لا أريد أي أصابع اتهام تشير إلى تورط إسرائيل بقتله. فأجابه موفاز: أكيد. فقال له شارون :تصرف».

من جانبه قال مستشار الأمن القومي السابق جبريل الرجوب ان «عرفات تم تغييبه اي قتله بسبب رمزيته للقضية الفلسطينية وكل الاحتمالات مفتوحة للطريقة التي تم فيها قتله».وأكد على ان «ملف قتله لن يغلق حتى تكشف الحقيقة واعتبر ان علي مسؤولية شخصية وأمانة ان نصل إلى من اغتاله». وشدد على ان «التقرير الصادر عن المستشفى الفرنسي لم يذكر حقيقة سبب موته».

اما رئيس المخابرات الفلسطينية توفيق الطيراوي، الذي بقي ثلاث سنوات مدة حصار عرفات داخل مبنى المقاطعة معه، فقال ل«فرانس برس»، «لا نزال نحقق ونتابع ملف وفاة عرفات». وأضاف «سنبقى نحاول حتى نصل للحقيقة. قابلنا العشرات وأخذنا مئات الإفادات.

وتابعنا بعض الأشخاص داخل الوطن وفي الخارج». وأشار إلى ان المخابرات الفلسطينية «تحقق في كل الاتجاهات إلى جانب اللجنة الوزارية التي لم تغلق ملف وفاته».وقال «ربطنا موضوع مرضه والتحقيقات التي قمنا بها بجملة تصريحات لمسؤولين إسرائيليين قبل وفاته بعدة سنوات كلها دعت إلى قتله وهي موثقة لدينا بملف يحتوي على 79 صفحة».

مات حالماً ب« تانغو» السلام!

قرأ خريطة الصراع مبكراً، فرفع راية الثورة وحمل السلاح، غير مكترث للمخاطر الكبيرة التي ستعترض طريقه، وفهم فيما بعد طبيعة موازين القوى، فحمل غصن الزيتون طالباً السلام. وعرض على غريمه مشاركته في رقصة «تانغو»، تنهي الصراع وتنظف التاريخ الحافل بالدم،

وتفتح صفحة جديدة، تعيد الأمل لليائسين والامن للخائفين والسعادة والطمأنينة للمحرومين منها، لكن غريمه لم يقبل الرقص، تهرباً من دفع فواتير السلام، وآثر الانسحاب ليترك شريكه وحيداً يصارع احلام الحرية والاستقلال ويناضل من اجل اقامة دولة تمزق جسدها سكاكين الاحتلال والاستيطان.

اعتقد الكثيرون وخصوصا في اواخر ايام الرئيس الفلسطيني الرحل ياسر عرفات، ان غيابه عن الصورة، هو جزء من الحل، لكن ثبت للجميع بعد عامين على رحيله الغامض والمثير للكثير من الشكوك والشبهات، انهم على خطأ، وان المشكلة ليست في عرفات او غيره، وانما في المحتل الاسرائيلي الغاصب، الذي يحاول دائما محو كل شريك قوي في الجانب الآخر، يشاركه رقصة «التانغو» للوصول الى السلام الحقيقي.

عرفات لم يكن المشكلة، بل كان الحل الحقيقي، ولاسيما اذا نظرنا ايضا وبتمعن لوقائع المشهد الفلسطيني الراهن، الذي تبين لنا تفاصيله الصغيرة، ان الرئيس الراحل، كان الوحيد القادرعلى ان يمنع هذا التمزق، الذي اعترى الجسد الفلسطيني واصابه في مقتل، وبخاصة لبراعته في جمع كل الافرقاء، وهي مهمة ليست سهلة، بل صعبة للغاية، في ظل تضارب الرؤى والمصالح وتعارض الرغبات والغايات السياسية لكل منهم.

نعلم انه كانت هناك أخطاء للسلطة الوطنية، وكانت هناك أيضاً الكثير من السياسات والمواقف التي لا يرضى عنها البعض، وهذا بالتأكيد امر طبيعي في كل تجربة ثورية وحركة تحررية، يمكن ان ترتكب العديد من الاخطاء والهفوات، لكن لايعني هذا ان نقلل من شأن هذا الرجل والدور التاريخي الذي لعبه في تحويل قضية شعبه من محنة ومأساة لاجئين الى قضية شعب يبحث عن الحرية والحق في دولة لايمس ترابها المستعمر الاسرائيلي .

نعم لقد اخطأ الكثيرون،عندما طالبوه وبكثير من الجهل بالترجل عن صهوة جواده، والرضوخ للضغوط والحصارالاسرائيلي، لأن هذه المطالب تؤصل لمبدأ غاية في الخطورة، يتمثل في القبول بانتهاء الصلاحية السياسية لكل من تغضب عليهم اسرائيل، وهذا امر لا يمكن قبوله، لانه اذا قبلناه،

فانه لن يتوقف عند حدود «المقاطعة» التي كان عرفات محاصرا فيها، بل سيتم تعميمه عربياً، خصوصاً ضد من يحاول الدفاع عن نفسه وعن بلده وعن توجهاته السياسية التي لا ترضى عنها تل ابيب. مشكلة عرفات الحقيقية، والتي حاول البعض تجاهلها، هو أنه رفض رفع الغطاء عن فصائل المقاومة من دون مقابل ملموس يعيد الارض المسلوبة وينهي الاحتلال ويوقف التمدد السرطاني للمستوطنات اليهودية.

منتقدو عرفات حيا، كانوا ينسون بالفعل «اصل البلاء» وهو الاحتلال الاسرائيلي نفسه، الذي يقتل ويشرد ويهدم ويدمر وينشر الخراب في كل شبر من الارض يقف عليه، ويماطل في تنفيذ القرارات الدولية التي تعطي الفلسطينيين الحق في الاستقلال والحرية واسترداد الارض المغتصبة.

خالد سيد احمد

رام الله ـ «البيان»، والوكالات