كثير من المقربين من عرفات يصفونه بأنه«رجل الحصارات الطويلة»، فحياته بدت سلسلة من الحصارات، من الأردن إلى سوريا إلى لبنان، بمرحلتيه بيروت وطرابلس، وأخيراً رام الله. وفي مختلف المحطات برز قائد مسيرة قبل أية صفة أخرى، كما يقول المقربون منه.

يقول أحمد عبد الرحمن المستشار الإعلامي للرئيس الراحل «لقد كان أبو عمار يتصرف على الدوام بهذه الصفة، فقد كان يصارع من أجل إقناع أركان القيادة بصواب وجهة نظره. عرفات كان صاحب رؤية وكان يجاهد كي يرفع وعي الناس من حوله لإدراك فحوى ما يراه». ويسجل صالح للرئيس الراحل أنه رسخ لدى الفلسطينيين تقاليد ديمقراطية من خلال تكريس دور القيادة واجتماعاتها المنتظمة وأخذ القرارات فيها أثناء الاجتماعات وليس من وراءها وهو ما لن يتمكن أي رئيس أو قائد جديد أن يتفاداه.

يضيف «عرفات كان يرفض حتى منطق وجود معارضة فقد كان يطالب الأقلية بالالتزام برأي الأغلبية وفي نفس الوقت يطالب الأغلبية بإشراك الأقلية وهو ما كان يتجلى بفتح الطريق أمام مشاركة كل فصيل مهما كان صغيراً وكل شخصية وكل مؤسسة». ويقتبس عن الرئيس مقولته الشهيرة «الثورة زائد واحد وليس ناقص واحد» وذلك في إشارة إلى رغبته بإشراك جميع الفلسطينيين بأحزابهم وقواهم وطوائفهم في المسيرة الوطنية.

ويشير في هذا الصدد إلى تمتع الرئيس بدرجة تسامح قل مثيلها «فهو لم يحاكم أي شخص على خطأ ارتكبه سوى في حال الخيانة» قال عبد الرحمن، وتابع «عندما كان أحد يشكو ثانيا عن خطأ عمله كان أبو عمار يمسح قميصه قائلاً: أمسحوها فيّ هذه المرة». يفضل كثير من الفلسطينيين أن يطلق على الرئيس الراحل ياسر عرفات، والذي تمر اليوم السبت ذكرى وفاته الثانية، لقب الرمز الوطني أو الجبل الذي لم تهزه رياح السياسة.

وربما كان وصف «الرجل الذي لا يقهر» الذي أطلقه الكاتب الفرنسي البارز أمنون كابلوك على عرفات في كتابه الشهير عنه هو الأنسب لوصف يطلقه التاريخ على هذا القائد الوطني الذي شغل حيزاً لافتاً في المشهد الدولي لأكثر من ثلاثة عقود ونصف كزعيم لمسيرة شعب يتطلع إلى الحرية من آخر احتلال في العصر الحديث.

رئيس الوزراء السابق احمد قريع احد، معاوني عرفات يقول عنه «أبو عمار كان رمزاً لكل الفلسطينيين، كان صاحب رؤية ورجل صمود قل مثيله في التاريخ». وبخلاف ما يطلق عليه الكثير من الغربيين بأنه لم يكن رجل سلام، يرد قريع «عرفات كان رجل سلام حقيقيا لكن المشكلة أنه لم يعثر على شريك في الجانب الإسرائيلي فقد كان الرجل يبحث عن ديغول إسرائيلي لكنه لم يعثر عليه أبداً».

يرى كثيرون أن مكانة عرفات في التاريخ ستكون في ذات المكانة التي احتلها قادة متفردون تتردد أسماؤهم على الألسنة في مختلف ربوع الكرة الأرضية.وقال الدكتور محمد اشتية وزير الأشغال العامة والإسكان السابق «عرفات مثل قادة قلائل ذوي شخصيات كارزمية احتلوا مكانة متميزة في التاريخ مثل ديغول وتشرشل وكندي وكاسترو».

وأضاف «التاريخ لا يذكر كل رؤساء فرنسا بل يذكر ديغول ولا يذكر كل قادة بريطانيا بل يذكر تشرشل وكذلك الأمر مع عرفات». ويصف اشتية عرفات بأنه زعيم الأمة. «لقد دخل أبو عمار التاريخ كأب للهوية الوطنية الفلسطينية والقرار الوطني المستقل». ومضى «عرفات هو الذي قاد الشعب الفلسطيني طيلة الأربعين عاماً الأخيرة بحلوها ومرها، تأسيس الثورة ودخوله الأمم المتحدة وتوقيع اتفاق أوسلو وغيرها من المحطات».

ويضيف «عرفات كان شخصية واسعة، فصدره كان يتسع ليشمل الترتيب للقاء مع الرئيس الأميركي إلى متابعة قضية إمرأة عجوز في مخيم بعيد أو طفل يحتاج مساعدة للعلاج.. عرفات سخر نفسه كلياً للقضية الوطنية وهو الزعيم الوحيد في العالم الذي لم يكن يأخذ إجازة من العمل».

سمات كارزمية خاصة

ويحتفظ الدكتور ناصر القدوة، وزير الخارجية السابق وابن شقيقة الرئيس الراحل بالكثير من المعارف عن الدور الوطني والسياسي والسمات القيادية التي تميز بها القائد الوطني الذي يحتل المكانة الأبرز في التاريخ الفلسطيني. ويقول «لا جدال حول المكانة التي يحتلها عرفات في التاريخ،

فالكل يقر بهذه المكانة» التي يحددها بـ «الدور الريادي في كل من انطلاق الثورة والكفاح المسلح، وإعادة القضية الفلسطينية إلى الخريطة السياسية وفي بلورة البرنامج السياسي الحديث وفي البحث عن حل سياسي قائم على أساس الدولتين للشعبين».

الهوية الوطنية

ثمة إجماع بين الفلسطينيين على أن ياسر عرفات سيدخل التاريخ بصفته الرجل الذي بلور الهوية الوطنية الفلسطينية. ويقول الدكتور سمير عوض رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة بيرزيت «لقد ترك عرفات بصماته على مختلف مراحل تكون وتطور الهوية الوطنية الفلسطينية، وبالنسبة لكثيرين في العالم فإن عرفات كان الرمز الأبرز لفلسطين، وبعضهم يعرف عرفات ولا يعرف فلسطين».

وأضاف «ودارسو التاريخ لا يمكن لهم دراسة التاريخ الفلسطيني دون عرفات الذي لعب دوراً محورياً في كل مراحل تشكل وتطور منظمة التحرير». ومضى يقول «لقد نجح عرفات في تخليص منظمة التحرير من هيئة تمثل الشعب الفلسطيني لدى الدوائر العربية إلى قائدة للنضال الوطني».

وعما يأخذه البعض على عرفات لعدم بنائه مؤسسات للفلسطينيين قال الدكتور سمير «عرفات كان يقود الفلسطينيين للتحرر، وأعتقد أن بناء المؤسسات احتل الموقع الثاني لديه، فقد بدا أن يؤجل هذه العملية إلى مرحلة تالية لم يكتب له أن يشهدها، وكذلك الأمر بالنسبة لموضوع مكافحة الفساد، الموضوع الذي كان مؤجلاً لفترة لاحقة لصالح الهدف الأول وهو التحرر وبناء الدولة المستقلة».

ورغم تعدد الثورات والهبات الشعبية في التاريخ الفلسطيني فإن عرفات احتل موقع مؤسس وقائد الثورة الفلسطينية. ويقول الدكتور عدنان ملحم أستاذ التاريخ في جامعة النجاح «كانت الثورات قبل عرفات تدار من قبل الشخصيات الإقطاعية والعائلات، أما في عهده فقد عادت الثورات إلى الشعب». وأضاف «الثورة التي أسسها وقادها عرفات وأدخلها التاريخ هي ثورة شعبية وعملية وليست ثورة يقودها أصحاب الخطابات».

رام الله ـ محمد إبراهيم

رام الله ـ «البيان»