دفعت التطورات المحتدمة التي شهدتها الساحة العراقية، مؤخراً، وما واكبها من ارتفاع قياسي في أعداد القتلى والجرحى من الجنود الأميركيين هناك، بالتزامن مع دفق من التصريحات من جانب العديد من المسؤولين الأميركيين عن آليات «الخروج» من العراق وسيناريوهاته، الكثيرين في العالم العربي إلى تبني منهاجين، ربما كانا هما الأسوأ على الإطلاق، في التعامل مع الظاهرة السياسية، أياً كانت تجلياتها.

المنهاج الأول هو التفكير بالتمني، وهو منهاج ـ إن صحت تسميته بأنه كذلك ـ فإنه يتسم بانفصام يكاد يكون مطلقاً عما يجري على أرض الواقع، وقد قفز من تبنوه إلى التسليم بأن «الخروج» الأميركي من العراق هو المنعطف التالي، وأن المسألة لا تعدو أن تكون رسم ملامح هذا الخروج ومراحله ومحطاته وبرنامجه الزمني.

المنهاج الثاني، الذي لا يقل عن سابقه سوءاً ولا تجذراً في فكر الكثيرين ممن يتابعون الظاهرة السياسية في عالمنا العربي، هو التشاؤم المطلق، الذي يفضي إلى التسليم بأن كل الأمور تمضي إلى طريق مسدود، وأن كل جهد يبذل على أي صعيد وفي أي مجال إنما هو طاقة مهدرة لا تفضي إلى شيء.

وبين هذين المنهاجين، إن صحت تسميتهما بأنهما كذلك، تتعدد التوجهات والآراء والاتجاهات، بحيث يحار المرء في نهاية المطاف، لأنه ليس أمام محاولة للرؤية والتدبر والفهم، وإنما أمام انفعالات حيال ما يجري، دموياً وراعفاً ووحشياً، على ساحة لا تفتقر إلى الضبابية والتعقيد، هي الساحة العراقية.

على الرغم من هذه الضبابية وذلك التعقيد، دعنا نقترب من مفهوم «الخروج» الأميركي من العراق، الذي صوره البعض على أنه لا يفصله عنا إلا تحديد برنامجه الزمني، وصوره البعض الآخر بأنه المستحيل بعينه. تيارات الفكر والحركة في الساحة السياسية الأميركية تطرح ثماني «استراتيجيات» أو آليات للحركة السياسية الكلية، في العراق لخدمة الأهداف الأميركية، في المنطقة الممتدة من أفغانستان إلى المغرب.

وقد يمكننا أن نضع العناوين التالية لهذه الاستراتيجيات، التي نعتقد أن كلا منها جديرة بالتوقف عندها، قبل الحديث عن «الخروج» الأميركي من العراق:

* أولا: مواصلة الإستراتيجية الراهنة التي تتبعها الإدارة الأميركية في العراق، وهي الإستراتيجية التي تحمل اسم «الإستراتيجية الوطنية لتحقيق النصر في العراق» والتي تعود إلى نوفمبر 2005 وهي كما نعرف جميعا تمر بدعم حكومة عراقية «صديقة بما في ذلك إنشاء وتطوير قوات عراقية قادرة على تحمل عبء الوضع الأمني على نحو يتيح تصدير أسوأ ما في «المستنقع» العراقي إليها وليس إلى قوات الاحتلال، التي يمكن أن «تحتجب» وراء أسوار قواعد عملاقة، شيدت بالفعل، ويجري الاستكمال المحموم لتسهيلاتها.

* ثانياً: إضافة معالم أمنية جديدة، وهي الإضافة التي كشف عن جانب من ملامحها زلماي خليل زاد السفير الأميركي لدى بغداد في مؤتمر مشترك مع الجنرال جورج كيسي في 24 أكتوبر الماضي، حيث تحدثا عن «ميثاق وطني» يمر بنزع أسلحة الميليشيات، واقتسام عوائد الموارد النفطية، وإجراء انتخابات محلية، واعتماد برنامج وطني للمصالحة، وذلك كله تحت الشعار الدال «طهّر، أمّن، ابن» ومن الواضح أن هذا كله يصب في محاولة إنجاز خطوات محددة في إطار برنامج زمني واضح، حيث ذهب خليل زاد إلى توقع تنفيذ «الميثاق الوطني» في غضون عام من الآن.

* ثالثاً: الوحدة عبر الحكم الذاتي، وهذا التصور طرحه لأول مرة عضو مجلس الشيوخ الأميركي جوزيف بايدن وليزلي جيليب الرئيس السابق لمجلس العلاقات الخارجية الأميركي، وهو يدفع باتجاه فيدرالية تشكل سقفاً لثلاثة تجمعات، هي التجمع السني والشيعي والكردي، بحيث تكون بغداد هي العاصمة الفيدرالية، وتسيطر الحكومة المركزية على مقاليد الشؤون الخارجية وعوائد النفط، ويسلم بايدن وجيليب بأن هذا الخيار سيعني نقل تجمعات سكانية كبيرة، ولكنهما يجادلان بأن هذا هو ما يحدث فعلاً على الأرض في العراق الآن.

* رابعاً: نشر المزيد من القوات الأميركية، ويذهب القائلون بهذا التصور إلى أن تنفيذه من شأنه أن يمكن القادة الأميركيين من فرض السيطرة على العراق بصورة كلية، وفي مقدمة هؤلاء عضو مجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين.

* خامساً: إعادة الانتشار الاستراتيجي، وقد قام بصياغة هذا الخيار لورنس كورب أحد منظري مركز التقدم الأميركي، الذي ارتبط اسمه تقليدياً بالبنتاغون في عهد ريغان، وجوهر هذا الخيار هو سحب الوحدات التي تنهي جولة الخدمة في العراق من دون إحلال غيرها محلها، وبالمقابل يتم حشد فرقة للجيش الأميركي في الكويت وسبع وحدات من المارينز في الخليج للعمل كقوة تحرك سريع إذا اقتضت التطورات في العراق ذلك.

* سادساً: الانسحاب الفوري من العراق، وقد ارتبطت الدعوة إلى هذا التحرك باسم عضو مجلس الشيوخ الأميركي جون مارتا، الذي ذهب إلى القول إن وجود القوات الأميركية في العراق يعرقل بدلاً من أن يدعم الاستقرار هناك. ولكن طرح مارتا لا يتوقف هنا، وإنما ينص على حشد قوة للتحرك السريع في الخليج.

* سابعا: خطة بريجنسكي، وهي الخطة التي طرحها مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر لشؤون الأمن القومي في ابريل الماضي، وتقضي بمسارعة الإدارة الأميركية إلى الطلب بهدوء من القادة العراقيين أن يطلبوا من الولايات المتحدة علناً وعلى مستوى رسمي مغادرة العراق، وفي الوقت نفسه إجراء مفاوضات بين الفعاليات العراقية وعقد مؤتمر إقليمي يستهدف تحقيق الاستقرار في المنطقة وعقد مؤتمر للدول المانحة التي ستساهم في إعادة إعمار العراق.

* ثامناً: التوسع الكبير في إمداد العراق بالمستشارين العسكريين، ويرتبط هذا الخيار في المقام الأول بالمحلل والخبير في الشؤون الدفاعية أندرو كريبنيفتش، ومن الواضح أنه يقضي بزيادة أعداد العسكريين الأميركيين الملحقين على الوحدات العسكرية العراقية. وهو يذهب إلى القول إنه بينما تبلغ قوة الاحتلال الأميركية للعراق حالياً 144 ألف رجل، فليس هناك إلا أربعة آلاف مستشار عسكري أميركي يعملون مع وحدات القوات العراقية، وهو يقترح رفع عدد هؤلاء المستشارين إلى ثلاثة أمثاله لتطوير أداء الوحدات العراقية.

انتهت هذه الجردة للخيارات أو التصورات، التي يطرحها رجال الفكر والحركة الأميركيون في مواجهة الورطة العراقية، لتبدأ على الفور المفاهيم الفرعية والأفكار الداعمة لها، فمن الواضح أن الكثيرين في واشنطن يشددون على أنه أياً كانت الإستراتيجية التي ستعمل الإدارة الأميركية لتبنيها، في نهاية المطاف، فإنه لابد من زيادة النشاط الدبلوماسي الأميركي لدى جيران العراق جميعاً، بما في ذلك سوريا وإيران، كما إنهم يتحمسون لمؤتمر إقليمي على غرار مؤتمر بون الذي عقد في ديسمبر 2001 بشأن العراق للتوصل إلى قاعدة واضحة لتقاسم السلطة في بغداد ولتكريس إجراءات لبناء الثقة على الصعيد الأمني.

من المهم أن نلاحظ أنه لا وجود في أي موضع من خارطة التصورات والحركة الأميركية بشأن العراق لأدنى إشارة إلى دور عربي، باستثناء الحديث عن «جيران العراق» والمؤتمر الإقليمي العتيد إياه. وفي مواجهة هذا كله فإن البداية العربية الصحيحة ليست بالتأكيد على التفكير بالتمني ولا التشديد على نهاية النفق المسدود، وإنما هي إستراتيجية عمل عربية متكاملة، ومثل هذه الإستراتيجية ليست ضرورية فحسب وإنما هي حتمية.

كامل يوسف حسين