برهنت نتائج اجتماع وزراء خارجية ومالية دول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة اليمنية صنعاء الأسبوع الماضي، على انه محطة جديدة باتجاه توثيق التعاون الخليجي اليمنى.

ويرى المراقبون أن الاجتماع هو الحدث الأهم والأبرز في مسار العلاقات اليمنية بدول المجلس سواء من حيث مستواه الرفيع أو من حيث طبيعة القضايا التي ناقشها وما سيتمخض عنها من خطوات عملية ترمي إلى تأهيل اليمن للخروج من مأزق الاختلال الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيق نموه الاقتصادي وتعرقل ارتقاءه لمستوى مؤشرات التنمية البشرية.

فخلال الخمس عشرة سنة الماضية طرأت جملة من المتغيرات والتحولات التي انعكست سلبا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد فبعيد الاجتياح العراقي للكويت عام 1990م طرأ تحول دراماتيكي على علاقة اليمن بدول مجلس التعاون الخليجي، بسبب ما اعتبر موقفا داعما من صنعاء للغزو وترتب على ذلك تردي في العلاقات اليمنية بدول المجلس نتج عنه عودة أكثر من 800 ألف مهاجر كانت تحويلاتهم تساهم بما يعادل الربع من الناتج المحلي الإجمالي.

وتوقفت المساعدات والمنح التي كانت تضخها هذه البلدان إلى كل من صنعاء وعدن قبيل توحد البلاد عام 1990م كما تقلص أيضا الدعم الأميركي والبريطاني بنسب كبيرة مما أدى إلى تراجع مصادر التمويل الخارجي من العملة الصعبة للبلاد.

ومن سوء الطالع أن تلك التحولات قد تزامنت مع إعلان قيام توحد دولتي اليمن الشمالي والجنوبي بدولة واحدة مما ضاعف من اختلال اقتصاد الدولة الواحدة الجديد نتيجة لإرثه لاقتصادين مختلين أصلا كانا يعتمدان على الموارد (الريعية) كالمساعدات والمنح وتحويلات المغتربين والقروض الخارجية التي ساهم في ارتفاع وتيرتها كل من الطفرة النفطية في بلدان الخليج والحرب الباردة بين المعسكر الغربي والمعسكر الاشتراكي آنذاك.

وفي خضم هذه الوضعية الحرجة دخل اليمن في أزمات سياسية بين اللاعبين الأساسيين أفضت إلى اندلاع حرب صيف (1994 م) الأمر الذي زاد من مصاعب الاقتصاد اليمني بسبب ما تكبدته البلاد من خسائر جراء تلك الحرب وقد بدا ذلك واضحا في ارتفاع التضخم إلى مستوى حرج 110% وارتفع العجز في الموازنة العامة إلى 17 في المئة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي وتراجعت العملة الوطنية إلى مستويات مخيفة.

ولم تعد نسبة الاحتياط النقدي من العملة الأجنبية يغطي سوى 15 يوماً من الواردات الخارجية ودخلت البلاد في مرحلة انهيار اقتصادي لم تتداركه إلا بانصياع الحكومة لتوصيات المؤسسات المالية الدولية التي فرضت عليها برنامج التقويم الهيكلي بغية استعادة توازناتها الاقتصادية والمالية والنقدية.

ومنذ العام 1995م طبقت الحكومات المتعاقبة البرنامج الموصى به من قبل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعمدت تدريجيا إلى الحد من تدخل للدولة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية ورغم استعادة البلاد لملاءتها الائتمانية وتوازناتها الاقتصادية على الصعيد الكلي، إلا أن الآثار الاجتماعية كانت بالغة الشدة على بلد تعاني من كثافة بشرية ونمو سكاني مرتفع مقابل ندرة في الموارد وسوء تدبير لتلك الموارد .

حيث اتسعت مساحة الفقر إلى 47% بين السكان وتفاقمت الطالة إلى ما يزيد على الـ 30% جراء السياسة الانكماشية وتراجعت مؤشرات التنمية البشرية من عام إلى آخر طبقا للتقارير العالمية والوطنية التي باتت كلها تلتقي على تحذير الحكومات اليمنية المتتالية من مخاطر ذلك التراجع وتفشي الفساد وسوء تدبير الشأن العام.

وقد وضعت اليمن جملة من المحددات الرئيسية وأصدرت التشريعات التي تسعى من خلالها إلى التغلب على الاختلال والتشوهات الاجتماعية والاقتصادية.

ويندرج ضمن تلك التدابير حشد الدعم المالي من الدول الشقيقة والصديقة بغية معالجة تلك المشاكل وبدأت منذ وقت مبكر باستعادة علاقتها مع بلدان دول مجلس التعاون خاصة بعد التوقيع على اتفاقية تسوية الحدود بينها وبين المملكة العربية السعودية عام 2000 م والتوقيع النهائي على الخرائط الحدودية بين البلدين في ديسمبر الماضي .

وفي قمة مسقط عام 2001 م قبلت اليمن بعد مطالب متكررة في عضوية بعض مؤسسات دول مجلس التعاون لدول الخليج ثم تتالت وتيرة العلاقات بشكل ملحوظ ويعد تخصيص الاجتماع الثاني لوزراء خارجية هذه البلدان في صنعاء لبحث تمويل التنمية في اليمن وقبل انعقاد مؤتمر لندن للمانحين المقرر انعقاده في العاصمة البريطانية يومي 15 و16 بمشاركة وزراء خارجية هذه البلدان مرحلة جديدة في مسار العلاقات اليمنية الخليجية.

وربما في تقرير وضعية اليمن مستقبلا داخل هذا التكتل الإقليمي المهم الذي يعول عليه كثيرا في مساعدة اليمن على النهوض وبما يحول دون تردي الأوضاع التي قد تنعكس سلبا على الاستقرار والسلام الاجتماعي جراء ما يعانيه من اختلال وتشوهات تنموية واضحة.

صنعاء ـ عبد الكريم سلام