في العادة قلما يهتم العالم بانتخابات «الكونغرس» الأميركي النصفية ـ الواقعة في منتصف ولاية الرئيس ـ بالكاد تطلع سيرتها إلى خارج الحدود. وحتى الأميركيون أنفسهم لا ينشغلون بها بالرغم من استئثارها بالمتابعة الإعلامية المكثفة، فهي محطة روتينية في حياتهم السياسية.
حملات المرشحين ـ لمجلس النواب بكامله 435 مقعداً ولثلث مجلس الشيوخ 33 مقعداً ـ تدور أساساً، حول الشؤون المحلية، على مستوى الولاية كما حول السياسات الداخلية الاتحادية. السياسة الخارجة بند لا يدخل الحلبة، إجمالاً. وإذا دخلها فمن باب جانبي؛ إما لإرضاء جمهور معين ـ مثل يهود نيويورك الذين تقضي استمالتهم بإدراج تأييد إسرائيل في حملة المرشح ـ وإما للمزايدة على الرئيس أو لمساندته، في أجندته الخارجية.
فالناخب الأميركي بعيد عن هموم العالم وغريب عن الاهتمام بها. لا هو مسيّس ولا قريب من هذه الملفات وساحاتها. الاستثناء الوحيد على هذه القاعدة زمن الحروب. عندما تكون أميركا في حرب بعيدة. وبالذات عندما تكون كلفتها قد بدأت تكوي النفوس والجيوب. عندئذ يدخل الخارج على خط الانتخابات. ويدخل بقوة إلى حد يحتكر الحملات الانتخابية؛ ويتحول بالتالي إلى العامل الحاسم في تحديد خيارات الناخبين، وحينذاك تتحول الانتخابات الأميركية إلى موضوع دولي مهم. تماماً كما كان الأمر أيام حرب فيتنام.
اليوم يتكرر هذا الاستثناء وإلى حد بعيد حرب العراق، أو بالأحرى ورطة العراق ـ التي بدأت أوساط أميركية مثل السيناتور كيندي ـ تحذر من إمكانية تحولها إلى فيتنام أخرى ـ قفزت إلى مرتبة الهم الانتخابي الأول، لدى الناخب الأميركي. كما صارت محط اهتمام ومتابعة الخارج لها. وبالتحديد في منطقتنا؛ التي يبدو أنه يسودها، أو بالأحرى يداعبها شيء من الاعتقاد بأن تتمخض انتخابات الكونغرس عن تغيير ما في سياسة إدارة الرئيس بوش إزاءها.
وهو اعتقاد رغبوي أكثر مما هو واقعي محتمل؛ لأنه نابع من الأرقام فقط التي لا تصب في مصلحة الرئيس وحزبه. وعبثا حاول الرئيس ومرشحو حزبه الاستعانة بأوراق القوة، مثل الحديث عن السجل الأمني والحماية التي تحققت للساحة الأميركية ضد الإرهاب والتي لم تشهد حادثة واحدة منذ 9/11.
وكثيراً ما جرى التذكير بأسماء من قيادات القاعدة، تم إلقاء القبض عليها ـ مثل خالد شيخ محمد ـ كما جرت الاستعانة بورقة الاقتصاد، الذي يشهد حالة من الانتعاش يعكسها هبوط نسبة البطالة إلى 4 ,4%. وهي نسبة جيدة بالمقاييس الأميركية؛ ودليل عافية. لكن كل هذه الأوراق، على أهميتها، لم تقو على ترجيح كفة الميزان لصالح الجمهوريين.
مع أنها عوامل هامة، خاصة الاقتصاد، في أية انتخابات. وحتى الرئاسية منها. العراق كان المعيار الرئيسي، في التقييم والاختيار؛ وبالتالي في انفضاض الكتل الانتخابية ـ خاصة المستقلين 50% ضده وفقط 23% معه ـ عن الحزب ومرشحيه وجنوحهم نحو الحزب الديمقراطي، مع أن هذا الأخير لا يملك خطة واضحة متكاملة لأزمة العراق وبما يؤدي إلى الانسحاب منه.
بل ان خلافه مع الرئيس وإدارته لا يتعدى مسألتي حجم القوات ومدى الفترة الزمنية لبقائها في العراق. لكن كل ذلك لم يشفع للرئيس. الملف العراقي الكارثي ارتد عليه وفرض تحول الانتخابات النصفية إلى استفتاء على رئاسته.
وربما إلى محاكمة لها. بل إلى محاكمة للحزب الجمهوري وحرمانه من الأمل بالفوز في الرئاسة في انتخابات 2008. فالسوابق تشير إلى أن النصفية غالباً ما تكون المؤشر المبكر لانتخابات الرئاسة ووجهة رياحها. إذا كان الرئيس في حالة جيدة ورصيده لا يشكو من عجز؛ كان حظ حزبه بوراثته أفضل وأقوى بكثير مما لو كان العكس. كما أن انقلاب الموازين ضده في «الكونغرس»، يجعل طريق رئاسته وعرة، في السنتين المتبقيتين من ولايته الأخيرة.
المتبقي من أجندته الداخلية يتعثر. وغالباً يبقى على الورق. وأيضاً أجندته الخارجية تتعرقل. في أحسن الأحوال تتباطأ. صحيح أن السياسة الخارجية، يعود أمرها إلى الرئيس بامتياز. لكن «الكونغرس»، في المقابل، هو أمين الخزنة ومقرر صرف النفقات، بامتياز أيضاً، ومن هذا الموقع يمكن الوقوف بوجه توجهات وخيارات الرئيس. والرئيس بوش يدرك ذلك تماماً ويخشاه.
ومن هنا نزوله بقوة إلى ساحة الحملة الانتخابية وتكليف زوجته بأن تدلي هي الأخرى بدلوها، عله يتحاشى خسارة الكونغرس لكن الرئيس بوش، قد لا تؤثر عليه هذه الخسارة، تماماً.
خاصة بالنسبة لمنطقتنا، عموماً. والعراق خصوصاً. فسياسته تنطلق من قناعات ايديولوجية يابسة أكثر مما تقوم على اعتبارات ومقاربات برغماتية مرنة وقد سبق له أن ألمح أكثر من مرة، بأن توجهاته وحروبه في الشرق الأوسط هي عبارة عن «رسالة ربانية»! وتكليف استثنائي، لا يجوز التلاعب فيه، ناهيك بالتراجع عنه.
كما معروف عنه أنه يتشبث بمواقفه ورؤيته إلى حد العناد. من الصعب زحزحته عنها. كما أنه يتأثر جداً ببطانته المتشددة وعلى رأسها نائبه تشيني؛ الذي لم يعرف عنه أنه تراجع أو حاول مرة إعادة النظر، بما يراه ويعلنه.
إذن لا اثر هام بأن بوش الخاسر في انتخابات الكونغرس ربما يكون غير بوش السابق.
فيكتور شلهوب