في عام 1880 تبنّى الأسقف الانغليكاني في فيينّا وليم هشلر النظرية التي تقول ان المشروع الصهيوني هو مشروع إلهي وان العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية. هناك في فيينا تعرّف هشلر على ثيودور هرتزل وعلى مشروعه الصهيوني؛ واستطاع أن يوظف علاقاته الدينية والدبلوماسية لترتيب لقاءات له مع القيصر الالماني ومع السلطان العثماني، وذلك لمساعدته على إقامة وطن يهودي في فلسطين. ورغم ان تلك اللقاءات باءت بالفشل، فان هشلر لم ييأس. فقد انتقل الى بريطانيا حيث رتّب في عام 1905 لقاء لهرتزل مع آرثر بلفور.
ومن هناك انطلقت المسيرة نحو تأمين غطاء من الشرعية الدولية للمشروع الصهيوني. كان لويد جورج رئيس الحكومة أكثر شغفا بالمشروع الصهيوني وأشد حماسة له من بلفور. فكان الوعد الذي صدر في الثاني من نوفمبر 1917 بمنح اليهود وطنا قومياً في فلسطين. وفي عام 1952 نشرت وزارة الخارجية البريطانية وثائق سرية عن فترة 1919 -1939، بما فيها تلك التي تتعلق بتوطين اليهود في فلسطين.. ويتضمن المجلد الرابع من المجموعة الأولى، في الصفحة السابعة نقلا عن مذكرة وضعها آرثر بلفور في عام 1917 ما يأتي:
«ليس في نيّتنا حتى مراعاة مشاعر سكان فلسطين الحاليين، مع ان اللجنة الاميركية تحاول استقصاءها. إن القوى الأربع الكبرى ملتزمة بالصهيونية. وسواء أكانت الصهيونية على حق أم على باطل، جيدة أم سيئة، فإنها متأصلة الجذور في التقاليد القديمة العهد وفي الحاجات الحالية وفي آمال المستقبل، وهي ذات أهمية تفوق بكثير رغبات وميول السبعمئة ألف عربي الذين يسكنون الآن هذه الارض القديمة».
اما بالنسبة للاستيطان اليهودي في فلسطين فقد أوصى في الجزء الأخير من هذه المذكرة بما يلي: «إذا كان للصهيونية أن تؤثر على المشكلة اليهودية في العالم فينبغي أن تكون فلسطين متاحة لأكبر عدد من المهاجرين اليهود. ولذا فإن من المرغوب فيه ان تكون لها السيادة على القوة المائية التي تخصّها بشكل طبيعي سواء أكان ذلك عن طريق توسيع حدودها شمالاً (أي باتجاه لبنان) أم عن طريق عقد معاهدة مع سوريا الواقعة تحت الانتداب (الفرنسي) والتي لا تعتبر المياه المتدفقة من (الهامون) جنوبا ذات قيمة بالنسبة لها. وللسبب ذاته يجب ان تمتد فلسطين لتشمل الاراضي الواقعة شرقي نهر الاردن».
كان بلفور من المؤمنين بأن التاريخ ليس سوى أداة لتنفيذ الهدف الإلهي. وان الانسان مكلّف بالعمل على تنفيذ هذا الهدف وان أول ما يتطلّبه منه ذلك، الايمان اولاً بأن ثمة هدفا إلهيا، وثانيا بإمكانية تحقيق هذا الهدف أياً تكن الصعوبات. آمن بلفور كما أوضح في كتابه «العقيدة والانسانية» أن الله منح اليهود وعداً بالعودة إلى أرض الميعاد، وان هذه العودة هي شرط مسبق للعودة الثانية للمسيح. وان هذه العودة الثانية تحمل معها خلاص الانسانية من الشرور والمحن ليعمّ السلام والرخاء مدة ألف عام تقوم بعدها القيامة وينتهي كل شيء كما بدأ.
ولم يكن العامل الديني السبب الوحيد وراء إصدار الوعد. كانت هناك مصالح لبريطانيا ذات بعد استراتيجي. وقد توافق العمل على خدمة هذه المصالح ورعايتها مع هذا الايمان الديني، مما أدى الى الالتزام بالوعد وبتنفيذه. ففي الأساس كانت بريطانيا قلقة من جراء هجرة يهود روسيا وأوروبا الشرقية الذين كانوا يتعرضون للاضطهاد في بلادهم. وفي عام 1902 تشكلت «اللجنة الملكية لهجرة الغرباء». هنا كان لا بدّ بعد صدور قانون بوقف الهجرة في عام 1905 من تأمين ملجأ بديل، فكان قرار بلفور بمنح فلسطين وطناً لليهود ليعطي من لا يملك الى من لا يستحق.
اقترح تشرمبرلين وكان رئيسا لحكومة منطقة العريش لتكون وطناً لليهود. ولكن لجنة الخبراء الصهيونيين رفضت الاقتراح لان العريش تفتقر الى المياه، ثم لان توطين اليهود فيها يثير مشاكل لبريطانيا مع مصر. وعندما ترأس الحكومة البريطانية اللورد آرثر بلفور جرى التداول باقتراح اوغندا لتكون الوطن الموعود. ولكن المؤتمر الصهيوني السادس لم يقبل الاقتراح لافتقار اوغندا الى عنصر الجاذبية اللازم لاستقطاب اليهود ولحثّهم على الهجرة اليها.
كان بإمكان بريطانيا التدخل لمنع تهجير اليهود من أوروبا الشرقية، الا انها وجدت ان لها مصلحة في توظيف هذه العملية في برنامج توسعها في الشرق الأوسط، فحوّلت قوافل المهاجرين الى فلسطين بعد ان منحتهم الوعد بالوطن وبعد ان وفّرت لهم الحماية والمساعدة اللازمتين.
واعتبر وعد بلفور جزءا من الانتداب البريطاني على فلسطين. وهو انتداب قرره في مؤتمر سان ريمو 1902 المجلس الاعلى لقوات الحلفاء. وفي عام 1922 أقرّت عصبة الأمم الانتداب بما فيه الوعد. بعد الحرب العالمية الثانية وما رافقها من مجازر نازية، اتسع نطاق الهجرة اليهودية من أوروبا الغربية هذه المرة وليس من أوروبا الشرقية وحدها الى فلسطين، وتحوّل الوعد بوطن قومي لليهود الى دولة سرعان ما اعترفت بها رسمياً منظمة الأمم المتحدة في عام 1948.