«يفعلها الكبار ويدفع ثمنها الصغار»، تلك هي تداعيات الحرب على أطفال العائلات العراقية المهجرة قسرا من مناطق إقامتها الأصلية، والتي يبلغ عددها في محافظة بابل وحدها 4700 عائلة اضطرت لوضع أبنائها في المدارس حتى لا تضيع الفرصة عليهم، غير ان هؤلاء الأطفال يعانون من اضطرابات نفسية واجتماعية.
وقال الدكتور حسن علوان المشرف على مشروع الدعم النفسي والاجتماعي وخبير منظمة الصحة العالمية « يعاني أطفال العائلات المهجرة قسراً من اضطرابات نفسية كبيرة جراء تفاقم الضغوط النفسية التي تسببها الهجرة والتي تنعكس بشكل مباشر على الفئات الأكثر تعرضا للإصابة بالعلل النفسية والاجتماعية الحادة والمزمنة. فالعائلة المهجرة تعاني من القلق والاكتئاب النفسي الشديد والخوف من المجهول الذي يؤدي بدوره إلى خلق جو عائلي مشحون بالغضب الذي ينعكس على شكل معاملة عنيفة تسلط من قبل الوالدين على الأطفال الذين لا ذنب لهم في كل هذا الأمر، وتساء معاملة الكثير منهم بسبب الظروف غير المستقرة».
وأضاف «من عوامل الخطورة التي تنعكس على الطفل تعرض العائلة المهجرة إلى تدني المستوى المعيشي بسبب ترك العمل وتحمل تكاليف معيشية أخرى لم تكن في الحسبان، منها أجور النقل والإيجار وغير ذلك، ويكون الطفل هو الضحية في هذه الحالة، إذ يعاني الأمرين من عدم تقبل المجتمع الجديد الذي انتقل إليه قسرا، وبالتالي تظهر مشكلة صعوبة التطبيع الاجتماعي مع الأقران سواء في المدرسة أو في الحارة، وهذه العلاقة حساسة جدا للطفل الذي يكون عادة مرهف الحس، وخاصة عند عزله عن زملائه بسبب كونه مهجرا أو بسبب لكنته المختلفة أو قلقه من عدم الاستقرار في المنطقة التي يسكن فيها بعد التهجير».
وأشار إلى ان تردي الوضع الاقتصادي للعائلات المهجرة ينعكس على ملابس الطفل والتي تكون اقل جودة مما يرتديه أقرانه وضعف قدرته الشرائية قياساً بما يفعله أقرانه من غير المهجرين من سكنة الحارة الأصليين، كل هذا يؤدي إلى ظهور أعراض الحرمان على الطفل ويسبب لديه الغيرة والحقد الذي ينمو معه ويترعرع إلى الكبر تاركاً جروحاً نفسية قد تظهر على شكل نوبات غضب وتغيير واضطراب في السلوك قد يفضي به إلى ارتكاب السرقة والانحراف والسلوك العدواني على زملائه بشكل مستمر، إضافة إلى تدني مستواه العلمي والدراسي كنتيجة طبيعية لما ذكر.
نقطة مهمة أخرى تعكس الثمن الذي يدفع الطفل المهجر كما يشير علوان هي كون المدارس غير مؤهلة أصلاً وغير مستعدة لاستقبال مثل هذا العدد الهائل من الحالات لأنها منهكة أصلا نتيجة للظروف التي يمر بها البلد في الوقت الحاضر، ولأن برامج وزارة العمل التي خصصت لدعم هؤلاء لم تنعكس عليهم بشكل فعال بسبب سوء الإدارة وعدم وضوح الخطط، وكذلك دور منظمات المجتمع المدني الذي بدا مشلولاً في هذه الحالة لأن هذه المنظمات لم تستطع الوصول إلى النتائج المرجوة والواضحة لإسناد هذه الشريحة التي تعرضت للأذى النفسي والجسدي والاجتماعي.
وقال الدكتور عريبي عجاج من مؤسسة (صحتك) «ان الطفل بسبب طبيعته الفسيولوجية ينتمي للمكان، وتنمو هذه العلاقة تدريجياً وتشتد حتى تصل درجة النضوج عندما يستطيع الإنسان الاعتماد على نفسه، لذا فان تجريد الطفل من انتمائه للمكان يجعل منه عرضة للإصابة بالكثير من الأمراض النفسية، كما ان طبيعة الأماكن التي تسكنها معظم العوائل المهجرة قسراً من حيث شح وسائل الراحة، تتطلب بحد ذاتها جهدا، وخاصة على الطلبة المهجرين. وأضاف «كما يمتاز الأطفال وخاصة من هم في عمر المراهقة بالبحث عن علاقات، وعادة ما تكون هذه العلاقات حميمة، لذا فإن فصل الطالب عن مدرسته يربك هذه العلاقة.
مما يؤثر سلبا على كفاءة وأداء الطالب، وان فقدان عزيز له كأب أو أخ والذي نتج عن أعمال العنف، يضيف عبئاً آخر لا يتحمله الطفل. وباختصار ان معاناة أطفال العائلات المهجرة قسراً كبيرة وتحتاج إلى الكثير من مجهودات الدولة ومنظمات المجتمع المدني والقوى السياسية».