منذ خمسين عاماً، شنت إسرائيل مع حليفتيها فرنسا وبريطانيا عملية عسكرية تهدف إلى الإطاحة بزعيم عربي هو الرئيس المصري جمال عبدالناصر في حملة انتهت بفشل دبلوماسي ذريع للقوتين الاستعماريتين السابقتين وتعزيز للقوة الإسرائيلية الضاربة. فقد أجبرت الجهود المتضافرة للاتحاد السوفييتي الذي كان مشغولاً بغزو المجر، والولايات المتحدة التي كانت في أوج حملة رئاسية، لندن وباريس على التراجع خائبتين بعد هزيمة دبلوماسية منكرة.

وأجبر أمر لرئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون من الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور الذي كان واثقاً من الفوز في الانتخابات بدون أصوات اليهود الأميركيين، الدولة العبرية على إعادة الأرض التي احتلها جيشها خلال الحملة. هذا العدوان الثلاثي جاء بعد أربعة أيام من إعلان بن غوريون الذي إصابته النشوة بالاحتلال السريع لصحراء سيناء المصرية في حملة قادها الجنرال موشي دايان، مجيء «مملكة إسرائيل الثالثة» بعد 19 قرناً من تدمير الهيكل الأول.

وقبل أقل من ربع قرن من توقيع اتفاق السلام بين إسرائيل ومصر، ساهمت هذه الحرب الثانية لإسرائيل في الشرق الأوسط، في ان تلصق بها صورة «الكيان المعتدي» و«رأس حربة» القوى الغربية والعدو اللدود لحركة التحرر العربية. حدث ذلك في مرحلة كان لأوروبا، عبر لندن وباريس، خلالها مصالح مرتبطة بشكل وثيق مع مصالح إسرائيل وتستند إلى الرغبة في إسقاط النظام المصري. فقد هدد عبدالناصر بشكل مباشر المصالح الاقتصادية والتجارية الفرنسية والبريطانية في قناة السويس الممر الذي لا غنى عنه للسفن التجارية.

من جهة أخرى، كانت الأراضي الإسرائيلية هدفاً لهجمات الفدائيين المصريين الذين يعملون انطلاقاً من قطاع غزة الذي كانت تسيطر عليه مصر. وفي 1956، تصاعدت حدة التوتر بين مصر وإسرائيل وأغلق عبدالناصر خليج العقبة، على البحر الأحمر ومنع سفن الشحن الإسرائيلية من عبور قناة السويس. في الوقت نفسه، أمر عبدالناصر باحتلال مكاتب شركة قناة السويس من قبل موظفين مصريين وأعلن تأميم القناة.

وكانت هذه بالنسبة للفرنسيين والبريطانيين القشة التي قصمت ظهر البعير. وفي اليوم التالي لهذه الخطوة، دعا رئيس الوزراء الفرنسي الاشتراكي غي موليه إلى ميونيخ جديدة، في إشارة إلى قصف ميونيخ خلال الحرب العالمية الثانية بينما وصف نظيره البريطاني انطوني إيدن جمال عبدالناصر «بموسوليني النيل».

ووقعت فرنسا وبريطانيا سراً اتفاقاً ينص على تحرك إسرائيلي ضد مصر يليه تدخل عسكري فرنسي بريطاني ضد بورسعيد في عملية أطلق عليها اسم «عملية الفارس». وتقول المؤرخة جورجيت الجي ان لجنة وزارية فرنسية سرية للغاية قررت حينذاك من مفوضية الطاقة الذرية تلبية طلبات إسرائيل في القطاع النووي.

إلا ان إسرائيل نفت باستمرار ذلك. وفي 29 أكتوبر، أرسلت إسرائيل دباباتها وطائراتها لمهاجمة سيناء ووصلت خلال 48 ساعة إلى قناة السويس. وفي 31 أكتوبر قصفت لندن وباريس مصر. وتحت ضغط الأمم المتحدة التي طالبت بوقف إطلاق للنار، ثم الولايات المتحدة فالاتحاد السوفييتي حيث هدد الماريشال بولغانين باريس ولندن برد انتقامي نووي، انسحبت إسرائيل من سيناء وأوقفت فرنسا وبريطانيا العملية.

وقالت الجي ان «حرب السويس» تبقى في التاريخ «حملة عبثية» ما زالت نتائجها تؤثر على التوازن في المنطقة. وحصل عبدالناصر الذي هزم عسكرياً لكنه انتصر على الجبهة الدبلوماسية، على بعد دولي وأصبح يجسد آمال أمة عربية تعيش حالة غليان. وأصبحت موسكو وواشنطن اللتان أخرجتا القوتين العظميين الاستعماريتين تمسكان بخيوط اللعبة في الشرق الأوسط الذي كان ميدان المعركة في «الحرب الباردة». أما إسرائيل، فقد أصبحت تستطيع التحرك بحرية بين البحر الأحمر والبحر المتوسط وتمتلك قدرة نووية وحصلت من الولايات المتحدة في الرابع من يونيو 1957 على «ضمان لوجودها».