تحولت أسواق اليمن إلى ساحات للمنافسة بين منتجات الحداثة والمنتجات التقليدية اليدوية، التي ترسم صورا واضحة للشخصية اليمنية وبيئة اليمن. ولم تعد أسواق الأواني الفخارية مثل أيام زمان بهذه الإجابة المقتضبة يبادر محمد علي أحد باعة الآواني الفخارية كل من يسأله عن سوق بضاعته التي اشتهر بها متجره حتى عهد قريب قبل أن تغرق الأسواق اليمنية بمنتجات منافسة لبضاعته ولغيرها من منتجات الحرف التقليدية التي عرفت بها اليمن منذ القدم.

إجابة محمد علي وغيره من تجار الصناعات التقليدية تلخص الوضع الذي آل إليه حال الكثير من منتجات الصناعات التقليدية التي كان اليمنيون يعتمدون عليها بدرجة أساسية في حياتهم ومعيشتهم اليومية عندما كانت الأسرة اليمنية تقتني حاجات المنزل اليمني من فراش واواني وأوعية من تلك المنتجات.

فإلى حدود مطلع الثمانينات كانت كل مدينة وسوق من الأسواق اليمنية الدائمة والموسمية تتميز بانتشار باعة المنتجات التقليدية على شكل جماعات لها أماكنها المحددة التي يقصدها الناس من أجل اقتناء حاجاتهم الأساسية ونظرا للإقبال على تلك المنتجات كان باعة كل سلعة يتجمعون في مكان واحد يتزاحمون ويتنافسون على استقطاب زبائنهم

وكانت كل جماعة تختص ببيع سلعة معينة تتواجد بكثافة كبيرة مثل باعة الأواني الفخارية والمكانس التقليدية والحصائد والقفف والأطباق والحبال والزرابي والحنابل والأغطية وكلها مصنوعة من موارد طبيعة لكن الآن أسواق تلك الجماعات أخذت تتقلص شيئا فشيئا إلى درجة أن مثل تلك العروض الجماعية تراجعت في كل أسواق البلاد إلى مجرد دكان أو حانوت أو اثنين توفر

مثل تلك المنتجات التقليدية التي كانت الأكثر رواجا واستعمالا بين اليمنيين ولعل تلك المعروضات التي قلما يقبل عليها الناس تعطي الانطباع بمدى انحسار أهمية مثل تلك الصناعة عند المستهلك اليمني الذي يندفع نحو منتجات أكثر عصرية وحداثة من تلك السلع التي أخذت تتقلص أهميتها اليومية بدرجة كبيرة تحكي التحولات التي عرفها ويعرفها المجتمع اليوم.

يقول علي الخديري الذي يقابل دكانه سوقا الآواني الفخارية في سوق مدينة القاعدة كل يوم ثلاثاء كان هذا السوق قبل 35 سنة يمتد على مسافة نحو 30 مترا ينتشر فيه مابين 10 إلى 15 بائعا يعرضون مختلف الاواني الفخارية التي تلبي حاجة المنزل اليمني وكانت الزبائن يتزاحمون عليهم منذ الصباح الباكر لكن اليوم مع تراجع الإقبال على هذه البضاعة تراجع عدد الباعة وتقلص إلى اثنين فقط وكثيرا ما يشكون من كساد بضاعتهم وربما بعد سنوات لن يكون هناك أحد في السوق يبيع هذه السلعة مثلها مثل المكانس والحبال والحنابل التي لم يعد لها سوق في المدينة.

السبب كما يقول الخديري الانتشار الواسع لمنتجات الصناعية الحديثة التي أخذت تحل محل الصناعات التقليدية فالاواني البلاستيكية والمعدنية وحبال النيلون والموكيت والمكانس البلاستيكبة والكهربائية وغيرها من السلع المستوردة أو المنتجة محليا حلت تدريجيا محل تلك المنتجات التقليدية المشابهة الأمر الذي جعلها عرضة للكساد وهناك ممن أعرفهم يقول الخديري هجروا العمل في انتاج مثل تلك المشغولات إلى أعمال أخرى والذين مازالوا صامدين بالكاد يحصلون على النذر القليل مما ينتجون ولو حصلوا على فرص أحسن لهجروا العمل في هذا الميدان.

وهناك من يرى في التحول عن استعمال مشغولات الصناعات التقليدية في البيت اليمني مسألة بديهية نتيجة للتحولات التي طرأت على الحياة العصرية والحداثة وتراجع أهمية مثل تلك المنتجات في استخدامات البيت والفرد اليمني علاوة على أن هناك سلوكيات تغذي النفور من تلك السلع وتحفز النزعة الاستهلاكية وتخلق الرغبات في استعمال المنتجات العصرية لدى الأسرة والفرد مع ما لذلك من انتشار المفاخرة بالمقتنيات الأكثر حداثة وعصرية.

بالمقابل هناك من لايرى في مثل تلك التحولات والمتغيرات سببا لاختفاء الصناعات التقليدية ويعتقد نصر قائد أن الأسرة اليمنية رغم ما تعرفه من تحولات متسارعة في مختلف نواحي حياتها المعيشية إلا أن المظاهر والعادات القديمة مازالت حاضرة بقوة ولم تقض عليها تلك التحولات التي يعرفها المجتمع والكثير من السكان مازال يعتمد على المنتجات والمشغولات الحرفية .

والعادات الغذائية اليمنية لها خصوصيتها المتفردة حيث يحضر ويعد الكثير منها في أوان فخارية مثل : العصيد، السلتة، الهريش، الفتة ، الفول ،الفاصوليا والمطاعم الشعبية تحرص على أن تقدم تلك الأطباق في اوان من الفخار وكذلك ربات البيوت اليمنيات لا يحضرن تلك الأطباق إلا في قدور واوان فخارية وإذا ما حضرت في أوان معدنية أو غيرها فإنها لا تكون بالطعم والمذاق المألوفين.

من الواضح أن تراجع اهمية الكثير من منتجات الصناعات التقليدية مسألة بديهية لاسيما في ظل العولمة ورفع الحواجز أمام انسياب السلع إلى الأسواق المحلية وشيوع أنماط استهلاكية وسلوكية متشابهة وكلها دواعي لخلق الحاجة وتحفيز الرغبات والعزوف عن أخرى

ولهذا لا يبدو أن تكون لقوة العادة مفعولها طالما وهناك عادات متجددة تحل مكانها يوما بعد يوم ولعل الإجابات الاولية تأتي من التحولات التي طرأت على سوق تلك السلع خلال الثلاثة العقود الأخيرة كما شرحها المطلعون على حالها بين الماضي والحاضر.