كشفت تقارير صحافية فلسطينية أمس، عن تحول موظف بدرجة مدير عام في إحدى وزارات السلطة الفلسطينية إلى بائع متجول لملابس الأطفال على «بسطة» في سوق مدينة رام الله. وتحدث التقرير عن ان شخصا يدعى «أبو العبد» الشهير بكوفيته المرقطة التي كان يعتمرها الرئيس الراحل ياسر عرفات على رأسه دائما، يواظب على التواجد يوميا في وسط رام الله التجاري في شارع القدس منذ الأسبوع الأخير من رمضان، ليبيع ملابس الأطفال وبعض الألعاب على «بسطة» مقابل محل للحلويات.

وكشفت عن أن «أبو العبد» الذي يخبئ تفاصيل وجهه بالكوفية ما هو إلا «مدير في إحدى وزارات السلطة الوطنية، وكان مسؤول قسم في احدى الدوائر التي تضم عشرين موظفاً، أما اليوم، فيسير هو وبسطته، وفقاً للتساهيل، ورغبات الزبائن الغاضبين أحياناً، وحواراته المستمرة مع زملاء المهنة المؤقتين، التي قد تصل إلى حد الخلاف الحاد بعض الوقت لاقتسام مناطق النفوذ في هذه السوق السوداء غير المرخصة من البلدية»

وأنكر بادئ الأمر «أبو العبد» أنه مدير في إحدى الوزارات وأصر على أن في الأمر خطأ ما، وبينما ملأت تقاسيم وجهه ملامح الحزن الشديد قال إنه «لا يحب الحديث كثيراً عن تحوله في أقل من عام من مدير في وزارة إلى بائع بسطة»، مشيراً إلى أن «مطالب أطفاله الصغار ورغبته في توفير تعليم مناسب لهم وملابس جديدة وألعاب يلهون بها أسوة بأطفال العالم الذين يفرحون بالألعاب في الأعياد دفعه كل هذا للعمل على بسطة»، وعلى حد تعبيره «أفضل من التسوّل وانتظار سلفه قد لا تأتي، ووعد حكومي أو رئاسي براتب يبدو أنه لن يأتي».

ويتذرع «أبو العبد» بوضعه الكوفية على وجهه حتى يكاد لا يظهر منه سوى عينيه بحرق يشوّه ملامحه، وحساسية مفرطة من البرد، بينما كل ما يهمه ألا يراه أي من زملائه في الوزارة، فهو لا يزال يسعى للحفاظ على شيء من هيبته، مؤكداً على أن «الشغل مش عيب، لكن يحز في النفس الأوضاع التي وصلنا إليها».

وليس «أبو العبد» وحده مَن يفكّر ألف مرة في الطريقة التي يمكن له من خلالها تأمين مستلزمات العيد، وفي الطريقة التي يبرر فيها لأولاده عدم شراء لعبة جديدة، أو ملابس للعيد، أو حلويات، فهذا المعلم المدرسي عبد القادر سلامة اعتذر مبكراً لشقيقاته عن عدم تمكنه من زيارتهن في منازلهن سواء في رام الله، حيث يعيش أو خارجها،

ولعدم تمكنه من تقديم «العيدية» لهن ولأبنائهن منعاً لأي إحراج، فهو «لم يتقاض راتبه منذ ثمانية أشهر، ولا يجد ما يلبي احتياجاته الأساسية في العيد»، في حين عملت زوجته على رتق الملابس المهترئة لأطفالها واستصلاح ملابس الأخ الأكبر لشقيقه الأصغر، أما الأخ الأكبر فلابد من ترتيب شيء ما لحل معضلة ملابسه، وقد تتم استعارتها من إحدى الصديقات، التي تملك محلاً لألبسة الأطفال في رام الله، وتقديراً منها لمعاناة بعض صديقاتها، وافقت على «تأجير الملابس الجديدة»، كما وفرت «خدمة بيع ملابس مستعملة بحالة جيدة»، لكن للموظفات من زبوناتها.

ومن اللافت أن ثمة إقبالاً كبيراً على «سوق البسطات» في رام الله وغيرها من مدن الضفة الغربية، في وقت تبدو مجمل المحلات التجارية خاوية من الزبائن، فالموظف يعنيه توفير أية مبالغ مادية عند إصراره على شراء أي جديد لأطفاله، وهذا ما تؤكده منال قواسمة بقولها «لا يهمني جودة ونوعية ما يعرض على البسطات، وإن كان بعضها جيدا، لكني أهتم بالدرجة الأولى بإسعاد طفلتي، عبر شراء ملابس جديدة لها في العيد، عند بائعي البسطات تجد «ملابس بعشرين شاقل جديد وهذا مستحيل في المحلات التجارية».

وتؤكد نقابة العاملين في الوظيفة العمومية، التي تقود إضراباً مفتوحاً منذ قرابة الشهرين، في بيان بخصوص عيد الفطر «تمر علينا مناسبة عيد الفطر السعيد وقد سرقت منا الفرحة، وحُرم أبناؤنا من مشاعر الابتهاج، ولم نتمكن من توفير ملابس وألعاب العيد لهم، حتى كعك العيد حرموا منه»، وأضاف « نحن الموظفين الحكوميين نستقبل العيد من وراء الأبواب والجدران ونهرب من أطفالنا وأحبائنا، لذا نعتذر لأطفالنا، لأهلنا، لجيراننا، لتجارنا، لشعبنا، فلن نستطيع في هذا العيد القيام بواجباتنا».

ويأتي العيد على الفلسطينيين في وقت تزداد فيه الأوضاع الأمنية سوءاً، حيث تتواصل جرائم جيش الاحتلال وأحداث الفلتان الأمني وسط إحصاءات تتحدث عن نسبة مرتفعة لأعداد طالبي الهجرة للخارج خاصة بين فئة الشباب منذ تولي حركة «حماس» رئاسة الحكومة، وما رافقه من حصار دولي، وتردٍ في الأوضاع الاقتصادية، وزيادة نسب الفقر والبطالة، في وقت لا يبدي فيه الفلسطينيون الكثير من التفاؤل حيال صفقات سياسية مرتقبة قد تساهم في حل الأزمة رغم الأنباء التي تتحدث عن ذلك.

غزة ـ «البيان»