يكشف الوجه الهمجي للاحتلال عن نفسه على الدوام باستحداثه الطرق الجهنمية التي يتفنن فيها بتعذيب الفلسطينيين وإحالة حياتهم اليومية إلى جحيم، ومن أشد سياسات العقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال بحجة حفظ الأمن فيما يصطلح عليه بـ »المناطق« هي إقامة الحواجز العسكرية وتقطيع الطرق بالحواجز الترابية والإسمنتية والتي تنتشر على طول الضفة الغربية

وعرضها لتصل حوالي 528 حاجزا عسكريا قطعت أوصال الفلسطينيين وعزلتهم عن أهلهم وذويهم، وباتت الضفة الغربية ترزح تحت سكين المحتل ليقطع بها أراضي ويضمها في الجانب الآخر للمستوطنات كيفما يشاء منذ ان ابتدع رئيس وزراء الاحتلال الأسبق ارئيل شارون سياسة العزل »الكيتر«.

وبالنظر إلى خريطة جوية بحوزة حركة »السلام الآن« الاسرائيلية تكشف عن أن أراضي الضفة الغربية أحيلت إلى قطع لا ‏متناهية من ‏الكانتونات الصغيرة شبيهة بالسجون، فعلى مدخل كل تجمع سكاني كبير ‏نسبيا تجد حاجزا عسكريا للاحتلال،

‏وعلى مداخل المناطق الجغرافية الثلاث الكبيرة شمال ووسط وجنوب الضفة الغربية تجد معابر ‏أمنية شبيه بمعبر إيرز سيئ الصيت الذي فصل قطاع غزة عن العالم في ما مضى. ‏

وبدأت سلطات الاحتلال بإجراءات عزل التجمعات السكانية في الأراضي الفلسطينية عقب اندلاع ‏‏الانتفاضة في سبتمبر 2000، لكنها تحولت لاحقا إلى سياسة إسرائيلية رسمية ترمي ‏إلى تحقيق ‏أهداف سياسية بعيدة المدى في مقدمتها ضم أجزء من الضفة الغربية وعزل ‏كامل منطقة الأغوار على ‏الحدود مع الأردن التي تشكل ثلث مساحة الضفة.‏

وبدأ المشروع الإسرائيلي الجديد يأخذ مجراه منذ خطة الانسحاب أحادي الجانب من ‏غزة في سبتمبر ‏العام الماضي. وتناولت في المرحلة الأولى تجمعات سكنية في مناطق ‏ذات حساسية ديموغرافية والجغرافية ‏عالية.

ففي الأغوار، وهي المنطقة التي تتميز ‏باتساع أرضها وقلة عدد سكانها، وعزلت سلطات الاحتلال جميع ‏قرى وبلدات المنطقة الواقعة ‏شمال مدينة أريحا بحاجز عسكري يمنع دخول كل من لا يحمل بطاقة هوية ‏تدل على أنه ‏من سكانها أو بحوزته تصريح سفر يخوله لعبور الحاجز للوصول إلى المعابر الدولية، وهو إجراء غير مسبوق في الأراضي الفلسطينية.‏

وفي المناطق القريبة من المستوطنات جرى عزل قرى وبلدات عديدة بواسطة أسلاك شائكة ‏ممتدة على ‏مسافات طويلة تصل إلى عشرات الكيلومترات مثل منطقة سلفيت القريبة من ‏شارع رقم خمسة أو عابر السامر والتي يطمح المحتل إلى ضمه إلى فلسطين المحتلة العام 1948 رغم أن يقطع الضفة الغربية من الغرب إلى الشرق،

ولأجل هذه الغاية تفرض سلطات الاحتلال قيودا شديدة على حركة سكان القرى القريبة من الشارع و تحديد ساعات ‏معينة أثناء النهار للخروج والدخول.‏

ويقول ‏مسؤولو الأمم المتحدة العاملون في الأراضي الفلسطينية إن »اسرائيل زادت عدد ‏الحواجز العسكرية في ‏الضفة بنسبة 40 في المئة منذ أغسطس الماضي«، مشيرين إلى أن هذه ‏الحواجز »عزلت وراءها تجمعات سكنية ‏جديدة«.‏

وأحالت الحواجز العسكرية حياة الفلسطينيين الى جحيم حقيقي. فالتنقل من مدينة إلى ‏أخرى ‏يستدعى إجراءات سفر تزيد في تعقيداتها عن تلك المتبعة بين الدول. ‏

وكانت اسرائيل أعادت مؤخرا تشغيل حاجز قلنديا العسكري الفاصل بين رام الله وسط الضفة ‏الغربية ‏وباقي مدن ومناطق الشمال وحولته الى ما يشبه المعبر الحدودي، وأقامت أيضا ‏بوابات على عديد من ‏الطرق التي يستخدمها المستوطنون والجيش.‏ وحسب تقرير مكتب ‏الأمم المتحدة في القدس فان »عدد الحواجز العسكرية في الضفة وصل إلى 528‏‎ ‎حاجزاً«.‏

وقال التقرير الذي أعلنه قبل يومين رئيس مكتب‎ ‎تنسيق الشؤون ‏الإنسانية التابع ‏للأمم المتحدة ديفيد شيرير في مؤتمر صحافي في القدس إن »الحواجز ‏العسكرية تقسم الضفة الى ثلاثة ‏مناطق كبيرة، شمال ووسط وجنوب، وتحول التجمعات ‏في تلك المناطق الى جيوب يصعب تنقل ‏المواطنين بينها«.‏

وأكد المسؤول الدولي جازما على أن »هذه الاغلاقات أدت إلى فصل التجمعات الفلسطينية ‏عن بعضها ‏البعض وخصوصا‎ ‎في نابلس والقدس وغور الأردن«، موضحا أن »اسرائيل ‏قامت في الشهور الثلاثة ‏الماضية بتدعيم عملية الفصل هذه«.‏

‏ أما مدينة القدس فتخضع لإجراءات فصل من ‏نوع آخر وهي أقرب منها للعنصرية من الإجراءات الأمنية البحتة، حيث يمنع دخول سكان الضفة والقطاع إليها إلا بعد حصولهم ‏على تصريح خاص، وهو ما ‏يبدو مستحيلا للغالبية العظمى منهم.‏

وتعزل سلطات الاحتلال ‏المدينة في جهاتها الأربع عبر حواجز حولتها مؤخرا الى نقاط عبور شبه دولية. وتقع ‏‏هذه النقاط في كل من مستوطنة جيلو ومخيم قلنديا ومنطقة رأس ابو سبيتان ومخيم ‏شعفاط، كما وعزل الجدار الفاصل الجاري إقامته حول المدينة حوالي 58 الفاً من سكانها ‏الفلسطينيين الأمر الذي ‏يعتبره أهالي المدينة المحتلة مقدمة لترحيلهم نهائيا«.‏

رام الله ــ محمد إبراهيم‏