مع أن الانتخابات الرئاسية والمحلية في اليمن قد انتهت منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع إلا أن تداعيات الحملة الانتخابية والطريقة التي أدارت بها اللجنة العليا للانتخابات عملية الاقتراع والفرز وإعلان النتائج أوجدت حالة غير معهودة من القطيعة بين تكتل «اللقاء المشترك» المعارض والرئيس علي عبدالله صالح، وقد يزيد من حدتها قرب موعد الانتخابات النيابية بعد نحو عامين حيث تأمل المعارضة أن ترد على الهزيمة التي منيت بها في الانتخابات الأخيرة.
وإذا كانت المعارضة قد قبلت التسليم بنتيجة الانتخابات الرئاسية بعد أن رفضت نتائجها بداية الأمر، فإن تشكيكها بصحة تلك النتيجة واعتبارها أمرا واقعا فرضه منطق القوة وعدم تهنئتها للرئيس صالح بالفوز بل وغيابها عن حفل الاستقبال السنوي الذي يقام بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك ومن ثم حفل الاستقبال الخاص بالذكرى السنوية للثورة والاستقلال ضاعف من حالة القطيعة القائمة بين الجانبين.
كما أن خطاب «التشفي» الذي اتبعه حزب «المؤتمر الشعبي» الحاكم قد عمق جرح المعارضة التي خذلت حتى من فرق الرقابة الدولية التي راهنت على وجودها في الحد من المخالفات التي ترافق كل انتخابات. وحيث إن الرئيس صالح الذي يدير البلاد منذ نحو ثلاثة عقود على قاعدة اللين والشدة معا قد سعى منذ ما بعد أعلن فوزه بفترة رئاسية مدتها خمسة أعوام إلى كسر حاجز القطيعة ودعا معارضيه إلى طي صفحة الماضي وأعلن انه رئيس لكل مواطنيه بعيدا عن توجهاتهم السياسية غير أن تشكيك المعارضة في جدية هذا الإعلان
وقولها إن «الرجل يدير شخصيا حملة تحريض في قيادة الصف الثاني للمعارضة بهدف تشجيع هذه القيادات على التمرد» يعكس حالة الريبة التي صبغت العاقة بين الجانبين منذ مطلع العام الجاري وعند التحضير للانتخابات الرئاسية حيث اتهم بشراء عدد من قيادات المعارضة واستمالتهم إلى جانبه بعد أن منح هؤلاء امتيازات مالية ووظيفية. ويرى هؤلاء إن أداء القصر ينبئ عن توجه انتقامي ممن أداروا الحملة الانتخابية لمرشح المعارضة فيصل بن شملان وفي الطليعة أمناء عموم الأحزاب التي يتشكل منها هذا التكتل.
وطبقا لما تقوله أحزاب المعارضة فإن «حملة تمزيق وحدتها ترتكز على خطابين متناقضين وبأدوات مختلفة، حيث يتولى بعض الدعاة من المنتمين للتيار السلفي مهمة تشكيل رأي عام مقاوم للتقارب الحاصل بين تجمع (الإصلاح الإسلامي) و(الحزب الاشتراكي)، وتحميل هذا التقارب مسؤولية الخسارة التي لحقت بالإصلاح في الانتخابات المحلية، وتذكير جمهور هذا الحزب بمواقفه المناهضة للحزب الاشتراكي واتهامه بالسعي لإقامة نظام حكم علماني».
على أن هذا الحملة تدار بلغة مغايرة داخل «الحزب الاشتراكي» وعلى قاعدة ان التحالف مع الإصلاح يعني تخلي الحزب عن رؤاه وأفكاره التقدمية وتجاوز غير مقبول لكل حملات التكفير التي طالت الاشتراكي قبل توحيد شطري البلاد وبعد الوحدة. كما إنها تطرح بأن هذا التحالف تنازل غير منطقي للتجمع الذي قاتل بشراسة إلى جانب القوات المؤيدة للرئيس صالح في حرب صيف 1994 والتي أدت إلى هزيمة قوات «الاشتراكي» ومن ثم إخراجه من السلطة.
ولما كانت المعارضة قد أعلنت أن دخولها المنافسة على منصب رئاسة الجمهورية قد قضى على شبح التوريث فان تصريح الرئيس اليمني بأن نجله العقيد أحمد الذي يتولى قيادة قوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة سيكون جاهزا للترشح لهذا الموقع في الانتخابات الرئاسية المقبلة يشكل تحديا إضافيا لقيادة تكتل «اللقاء المشترك» واختبار لقدرتها على مضاعفة الناخبين الذين صوتوا لمرشحها حتى تجسر الهوة القائمة مع عدد الذين صوتوا لصالح،
كما أن عليها مهمة إقناع الخارج بأن مصالحه في البلاد لن تتضرر من فوز المعارضة بالحكم، وطمأنة من في الداخل جراء حالة الخوف التي سرت بين الناس من مصير البلاد في حال وصلت المعارضة إلى الحكم.
وحيث إن الخبرات التي تراكمت لدى الرئيس صالح طوال ثمانية وعشرين عاما من الحكم إلى جانب قدراته الشخصية قد شكلا عامل الحسم في ترجيح كفته على معارضيه خلال الانتخابات الرئاسية بعد التفوق الملحوظ الذي حصدته في بداية الحملات الانتخابية، فإن هذا الرهان لا يزال يشكل اليوم أهم مفاتيح حلحلة الأزمة السياسية القائمة بين الحكم ومعارضيه وإعادة الحياة السياسية إلى طبيعتها.
صنعاء ـ محمد الغباري: