بالرغم من رفع قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان علم لبنان عند اقرب نقطة حدودية بين لبنان وفلسطين المحتلة في موقع «اللبونة» بعد غياب استمر لأكثر من 30 عاما، وانتشار كثيف لعناصر الجيش اللبناني في معظم القرى الحدودية مدعومة من قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل».

بقيت صورة مشهد بسط الدولة اللبنانية لسيادتها على كامل التراب اللبناني في الجنوب غير مكتملة بعدما أحكمت إسرائيل سيطرتها على الأجزاء اللبنانية من بلدة الغجر المحتلة. حدود الغجر وجغرافيتها عادت مجددا لتتصدر واجهة الأحداث والاهتمامات السياسية والعسكرية. «البيان» زارت البلدة وعاينت ما يجري في أحيائها الشمالية والغربية.

سهل الخيام الذي عدلت إسرائيل حدوده بقضم مساحات شاسعة منه مقابل مستوطنة «المطلة» الإسرائيلية باتجاه بلدة عين عرب، التي يقطنها عشرات البدو اللبنانيين الذين حولت الدبابات الإسرائيلية طرقات بلداتهم إلى أطلال.

الأهالي عادوا إلى البلدة متفقدين ما خلفه العدوان، شوارع مقفرة إلا من دوريات قوات الطوارئ الدولية التي تسير آلياتها. وبين بلدتي العباسية والغجر تمركز جنود اتخذوا من أبراج المراقبة ملاذا يراقبون حركة الدخول والخروج إلى المنطقة، ويحصون عدد الاختراقات من دون اتخاذ أي إجراء عملاني يبقي الأمور في نصابها القانوني.

وبمحاذاة الموقع الأممي طريق مؤدية إلى الجانب اللبناني من بلدة الغجر خنادق تتوسط الطريق استحدثتها إسرائيل خلال العدوان سواتر ترابية رفعتها في محيط الحدود الشمالية للبلدة. كامل المساحة الجغرافية المحيطة بالموقع الذي يرفرف فوقه علم الأمم المتحدة تغيرت.

موقع المقاومة السابق دمر بالكامل والأنفاق التي كانت تحته تم نبشها وقلبت رأسا على عقب، من فوق أحد السواتر يبدو الجزء اللبناني من الغجر كالتالي: بوابة جديدة استحدثت عند الحدود الشمالية للبلدة سياج شائك مكهرب يلف البلدة

من جميع الجهات يفصل بينه مساحة من الأراضي جرفت بالكامل ثم خندق بعمق ثلاثة أمتار وبعدها شريط شائك آخر ممتد من الجهة الشمالية الشرقية للبلدة وصولاً حتى الجهة الجنوبية الغربية المتاخمة لنبع الوزاني.

إضافة إلى وجود عسكري متواصل ودوريات راجلة ومؤللة تجوب البلدة من شرقها إلى غربها وجنود إسرائيليون مدججون بالسلاح يحذرون رجال الإعلام من الاقتراب من شريط «العزل» الجديد.

والغجر إحدى البلدات العربية السورية التي احتلتها إسرائيل في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967 وسكانها من الطائفة العلوية في سوريا يبلغ تعدادهم نحو 2500 نسمة وفي مطلع السبعينيات منحت قوات الاحتلال الإسرائيلي الجنسية الإسرائيلية للسكان الذين عمدوا في ظل غياب الدولة اللبنانية عن الحدود المتاخمة للقرية المحتلة إلى التوسع والتمدد العمراني داخل الأراضي اللبنانية بشكل مطرد

وذلك في أعقاب الاجتياحات الإسرائيلية المتتالية على الأراضي اللبنانية حتى باتت المساحة الجغرافية والديموغرافية لبلدة الغجر مقسمة على النحو التالي: ثلث مع سكانه يقع داخل الأراضي السورية المحتلة إسرائيلياً، وثلثين داخل الأراضي اللبنانية التي حررت عام 2000 وبني عليها في فترة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني.

وفي أعقاب الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني استعاد لبنان بموجب الخط الأزرق الثلثين الواقعين ضمن الجغرافية اللبنانية وباتت الغجر بلدة من شطرين الأول تحت السيطرة الإسرائيلية والثاني من الناحية النظرية تحت السيادة اللبنانية.

وبالفعل ومن عام 2000 حتى الثاني عشر من يوليو الماضي كان الجزء اللبناني تحت سيطرة «المقاومة الإسلامية» من كافة النواحي الأمنية والعسكرية حيث أقامت المقاومة موقعاً في الجزء اللبناني من البلدة وشكل هذا الموقع المتقدم مصدر قلق وإزعاج لقوات الاحتلال ورادعاً أوقف القرصنة الإسرائيلية للمياه اللبنانية من نبع الوزاني ،

كما شل هذا الموقع قدرة وحرية الحركة العسكرية والأمنية للجيش الإسرائيلي من الجليل الغربي صعوداً باتجاه مزارع شبعا وقمم جبل الشيخ من جهة ثانية استطاعت المقاومة تنفيذ سلسلة عمليات عسكرية جريئة هز الدوريات الإسرائيلية والمواقع الإستراتيجية في هذه المنطقة

وكان أبرزها العملية في مطلع عام 2006 والتي تمكن خلالها مقاتلو حزب الله من تدمير كل المواقع الإسرائيلية المحيطة بالغجر تدميراً كاملاً وإحراق كافة الآليات المتواجدة بداخلها وقتل أربعة جنود إسرائيليين.

وبعد العدوان الإسرائيلي دخلت البلدة المشطورة إلى نصفين سوري ولبناني وكلاهما تحت الاحتلال في مرحلة جديدة من المعاناة والتجاذب الإقليمي والدولي استغلت فيه إسرائيل كل تلك المناخات المتأزمة لإمساك زمام المبادرة في هذه البقعة الحساسة لتحاول من خلالها فرض واقع جديد واضعة يدها الأمنية والعسكرية على البلدة وعلى تفاصيل الحياة فيها من الألف إلى الياء.

جنوب لبنان ـ علي دياب