إن اختراق الأسوار العالية لمعتقل غوانتانامو سيئ الصيت الذي يطفح بألوان الرعب والظلم وامتهان الكرامة الإنسانية، مسألة تشوبها الكثير من الإشكالات لمعتقل هو بحد ذاته «خارج على القانون» وكل ما عُرف ونشر عنه بحسب المراقبين، ما هو إلا نزر يسير عما يدور داخل هذا المعسكر القابع في خليج غوانتانامو الكوبي.

وفي حوار لـ «البيان» مع محامي الدفاع عن المعتقلين السعوديين في معسكر غوانتانامو وأحد أعضاء اللجنة الدولية للدفاع عن المعتقلين المحامي السعودي كاتب الشمري، أكد على أن السلطات الأميركية لا تزال تخفي الكثير بشأن ما يجري داخل هذا المعسكر.

فضلاً عن عدم الكشف عن أعدادهم الحقيقية أو منع المحامين باستثناء بعض المحامين الأميركيين من دخول المعتقل ولقاء أسرى معينين، نافياً أن يكون لمعظم هؤلاء الأسرى صلة بتنظيم «القاعدة»، وموضحاً أن غالبيتهم اعتقلوا فقط لأنهم مسلمون ودفعوا ثمناً باهظاً في حرب الرئيس الأميركي جورج بوش على الإرهاب.

ـ ارتبط تنظيم «القاعدة» بشكل وثيق من خلال بعض الصور النمطية التي أوجدها الإعلام الغربي بالمواطن السعودي سواء الذي يعيش داخل السعودية أو ذلك الذي ذهب إلى باكستان وأفغانستان إما للجهاد بالنفس أو التطوع للعمل الاغاثي، وتوضح لاحقا أن العديد من هؤلاء أصبحوا صيدا ثمينا في ما يسمى بالحرب على الإرهاب وزج بهم في معتقلات، أشهرها معسكر غوانتانامو، فكيف تعاطيتم كحقوقيين مع هؤلاء الأسرى؟

ـ حقيقة الأمر أنه تكشف مع مرور الوقت أن هناك معتقلين سعوديين دفعوا ثمن هذه الحرب التي لا تزال تخوضها أميركا، وتوضح أن هؤلاء المعتقلين سواء السعوديين أو العرب أو غيرهم من الجنسيات يتعرضون لأساليب لا إنسانية ولا أخلاقية من قبل الجيش الأميركي في معسكر غوانتانامو الرهيب وسيئ الصيت.

وكانت للصور الأولى التي رشحت بالعديد من المآسي والمظالم التي بدا ان هؤلاء المعتقلين يتعرضون لها من خلال تقييد السلاسل وعصب العيون، الأثر في دفع عدد من المحامين والحقوقيين العرب وأنا من بينهم إضافة إلى المحامين الأجانب ومن بينهم أميركيون أيضا لنتكاتف جميعا من أجل رفع الظلم عن هؤلاء الأسرى.

وفي السعودية أصبح موضوع المعتقلين السعوديين الشغل الشاغل لدى المسؤولين بسبب الدعاية السلبية التي لازمت المعتقل، وتواجد اعداد غير بسيطة من السعوديين هناك.

وكانت بداية التحرك من خلال الحصول على توكيلات قانونية من أهالي المعتقلين ثم من خلال المتابعة مع اللجنة الدولية للدفاع عن المعتقلين في غوانتانامو، ثم بعد ذلك تم تشكيل فريق المحامين السعوديين للدفاع عن هؤلاء المعتقلين لتقديم العون القانوني لهم في ظل ظروف قاسية يواجهونها على جرم لم يرتكبونه.

وطالبت في وقتها من العام 2002 على رئيس اللجنة الدولية للمحامين السعوديين أن يشكل فريق لهذه المهمة، وتم تشكيل هذا الفريق بمبادرة خاصة من قبل بعض الزملاء من المحامين السعوديين الذين شعروا بأن قضية المعتقلين في غوانتانامو لها أبعاد دولية و سياسية وأمنية وقانونية تستوجب تكثيف وتوحيد الخطوات للسعي لإنهاء معاناة هؤلاء المعتقلين.

وطبعاً لا يتبع فريق المحامين إلى أي جهة رسمية إلا أن الفريق يقوم بالاتصال مع السلطات الحكومية المختصة وخاصة وزارتي الخارجية والداخلية السعوديتين وسفارة المملكة في واشنطن.

ـ كيف يتم اتصالكم بالمعتقلين وما هي القضايا التي تنظرون بها، وهل تم منعكم من الذهاب إلى المعتقل، ولماذا؟

ـ إن عملية التواصل تتم وفق أطر سياسية وقانونية سعودية وأميركية فقط، ونعمل كوسطاء بين هذه الجهات وأهالي المعتقلين في بعض مناطق السعودية، من أجل تخفيف المعاناة عنهم وتقديم النصح لبعض الأهالي بتجاهل الشائعات.

وأن يتابعوا الأخبار من مصادرها الرسمية والمتابعة مع فريق المحامين وكذلك متابعة الرسائل من وإلى المعتقلين بالتعاون مع الصليب الأحمر الدولي ومكتب العلاقات والتوجيه في وزارة الداخلية السعودية والذي يقوم بالخدمة اللازمة لهذه العائلات.

وبشأن عدم قدرتنا على التواصل مع المعتقلين بشكل مباشر فهذا صحيح، ولكن كما أسلفت فنحن نعمل في منظومة متكاملة بمعنى ان كل محام من فريق المحامين له عمل يقوم به مكملا لعمل الفريق ككل، وهذا يعني أن مقولة اني منعت من الذهاب إلى المعتقل لمقابلة المعتقلين ليس لها أي أساس من الصحة لأن السلطات الأميركية لم تسمح لأي محام مسلم أو عربي بالزيارة، إلا أنها ومنذ بداية هذا العام سمحت فقط لبعض المحامين الأميركيين بالجلوس إلى المعتقلين والاستماع إليهم.

ـ لماذا لجأت برأيكم الولايات المتحدة إلى مثل هذا المعتقل في البداية ولماذا أيضا كانت هناك سجون طائرة، وهل فعلا المعتقلون هم أعضاء في تنظيم «القاعدة»؟

ـ إن لجوء الإدارة الأميركية لمثل هذا المعتقل هو في المقام الأول نتاج فشل ذريع للسياسة الأميركية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب على أفغانستان وفشل القوات الأميركية في القبض على عناصر تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» أو حتى أي من زعماءها البارزين، وتبريراً لها في سياساتها في الحرب على الإرهاب ومنها فرض سيطرتها على العالم بالقوة تحت هذا المسمى والذي يكشف عن الوجه القبيح للديمقراطية التي يدعيها حكام واشنطن.

وبشأن المعتقلات السرية أصبح معلوما لدى الجميع وباعتراف بوش نفسه وتأييده أن هناك معتقلات أخرى غير غوانتانامو، وأن هناك سجونا أخرى سرية لوكالة الاستخبارات المركزية« سي آي إيه» حول العالم بالتواطؤ مع حلفائها أو من دون علمهم كما يدعي الاتحاد الأوروبي.

والهدف النهائي هو انتزاع اعترافات بالقهر والإذلال من قبل المشتبهين لتبرير وإطالة أمد الحرب على الإرهاب وتعزيز دعاية القوى الخفية التي تهدد أميركا، وفي النهاية للمسألة تبرير قانوني حيث أن القوانين الغربية عموما لا تسمح بالتعذيب لانتزاع الاعترافات ولذا كان الحاجة إلى سجون ومعتقلات وأقبية تحقيق سرية وطائرة.

ـ أعلن البيت الأبيض في الآونة الأخيرة عن نقل 14 قادة «القاعدة» وعلى رأسهم خالد شيخ محمد ورمزي بن شيبة وأبو زبيدة إلى غوانتانامو، ولا يزال هناك نحو 450 معتقلا رغم إعلان سابق بإطلاق 588 ، فكم عدد المعتقلين الحقيقي في المعسكر وكيف تتوزع جنسياتهم، وهل صحيح ان هناك معتقلين رفضوا اطلاقهم خوفا من حكوماتهم في بلدانهم الأصلية؟

ـ إن إعلان البيت الأبيض عن نقل عدد من قادة «القاعدة» إلى غوانتانامو كان على سبيل الدعاية لإظهار أن الاستخبارات الأميركية تحرز تقدما في الحرب على الإرهاب و أنها بالفعل استطاعت اعتقال 14 قياديا طوال السنوات الخمس الماضية وتقديم هذا المر على أساس أنه تقدم، وجاء بمعنى غير مباشر أيضا بأن هناك مراكز اعتقال سرية أخرى كانوا متواجدين فيها للتحقيق.

أما بالنسبة لعدد المعتقلين الحقيقي فليس هناك احد يستطيع الإجابة على هذا السؤال سوى الإدارة الأميركية، أما كل ما لدينا هو عبارة عن إحصائيات وأسماء لبعض المعتقلين السعوديين الذين نتولى الدفاع عنهم وعددهم 129 معتقلا من أصل نحو 600 معتقل موزعة جنسياتهم على 41 دولة وقد تم الإفراج عن عدد ( 39 معتقلا سعوديا فقط ) على دفعات متتالية، أما عن معتقلين رفضوا إطلاقهم خوفا من حكوماتهم فهذا غير صحيح على الإطلاق.

وأميركا بثت هذه الدعاية السلبية ووظفتها لأغراض أخرى تخدمها في موضوع انعدام الديمقراطية في المنطقة، والمعتقلين الذين لم يفرج عنهم فقط لأن الولايات المتحدة تعتقد أن هؤلاء المعتقلين قد يفرج عنهم إذا ما أعيدوا إلى بلدانهم الأصلية وأنهم لن يحاكموا هناك بالطريقة التي هي ترغب بها.

ـ عدد ليس بيسير من المعتقلين يدعون أنهم كانوا متطوعين في جمعيات إغاثة في باكستان وأفغانستان وأنه تم بيعهم من قبل البعض هناك مقابل مكافآت مالية، فلماذا تستمر أميركا باعتقالهم إذا من دون تهمة؟

ـ إننا كهيئة دفاع نجزم أن عددا كبيرا من المعتقلين هم ليسوا أعضاء في «القاعدة»، وهذا صحيح فعدد كبير منهم كانوا متطوعين في جمعيات إغاثة في باكستان وأفغانستان وتم القبض عليهم أو بيعهم وهم يقومون بأداء هذا العمل الإنساني وليس لهم أي علاقة من قريب أو بعيد بالتنظيم الإسلامي المتشدد.

والدليل على ذلك أنه حتى الآن لم يتم توجيه التهمه لهم بشأن هذه العلاقة أو تقديمهم للمحاكمة، لكن المشكلة هو الإصرار على احتجازهم وعدم تصحيح هذا الخطأ بالإفراج عنهم والاعتذار لهم من قبل إدارة بوش، وأستطيع أن أجزم أن مسألة إبقاءهم رهن المعتقل فقط لأنهم مسلمون ولا شيء آخر.

ـ قضت المحكمة العليا في واشنطن بتاريخ 29 يونيو الماضي بعدم قانونية المحاكم العسكرية التي تجري للمعتقلين، ومع ذلك تصر الإدارة الأميركية من خلال مشروع قانون جديد لإجراء هذه المحاكمات، فما هي طبيعة الجدل القانوني داخل الولايات المتحدة بشأن هذه المسألة؟

ـ يمثل قرار المحكمة العليا الأميركية في واشنطن بتاريخ 29 يونيو الماضي بعدم قانونية المحاكم العسكرية التي تجري للمعتقلين خطوة مهمة لصالح المعتقلين في غوانتانامو وخاصة أن هذا القرار الذي أكد عدم شرعية المحاكم العسكرية سيجبر السلطات العسكرية الأميركية على إلغاء جميع إجراءاتها وقراراتها المتعلقة بعرض المعتقلين أمام محاكم ولجان عسكرية مخالفة للقانون والدستور الأميركي. وهذا القرار سيضع الجانب الأميركي أمام خيارين :

الأول: يتمثل في عرض المعتقلين أمام محاكم فيدرالية مدنية.. وهو خيار أقرته نفس المحكمة العليا منذ عامين. والثاني: أن تقوم السلطات الأميركية بإغلاق هذا المعتقل سيئ السمعة وتسليم المعتقلين إلى دولهم وبخاصة انه ليس من المنطق أن يبقى هذا المعتقل إلى ما لا نهاية وسط تزايد الانتقادات والضغوطات الدولية التي تدعو إلى إغلاقه.

ومع صدور قرار المحكمة العليا الأميركية توقعت مختلف الأوساط القانونية والإنسانية أن تبادر الإدارة الأميركية إلى التعجيل بتوجيه الاتهامات للمعتقلين وعرضهم أمام المحاكم الفيدرالية للدفاع عن أنفسهم والسماح لهم بتوكيل محامين، إلا أن المثير للجدل حالياً هو محاولة الإدارة الأميركية التهرب من استحقاقاتها الدستورية والقانونية التي أقرتها المحكمة العليا.

وذلك من خلال اللجوء إلى المحاكم العسكرية بغرض محاكمة المعتقلين في غوانتانامو وهو ما يثير قلق واعتراض الهيئات والمنظمات الحقوقية والإنسانية داخل الولايات المتحدة الأميركية وخارجها وبخاصة أن هذه المحاكم العسكرية تمثل مخالفة للدستور الأميركي ولا تمتلك أية ضمانات لتحقيق العدالة.

ويأتي هذا القرار التاريخي من المحكمة العليا ليشكل سابقة قضائية على المستوى الأميركي ويعيد الاعتبار للنظام القضائي هناك بصفته الحامي للحريات المدنية بغض النظر إن كان المستفيد من القرار أميركياً أم أجنبياً .

وفي نفس الوقت شكل هذا القرار هزيمة للإدارة الأميركية حيث يمثل من الناحية السياسية تدخلاً واضحاً في مسار وإحداثيات الحرب التي تخوضها هذه الإدارة على ما يسمى بالإرهاب ويعزز أيضاً من الدور الرقابي الذي تقوم به المحكمة العليا الأميركية على قانونية القرارات والسياسات التي تتخذها واشنطن والتي تمس الحريات المدنية أثناء الأزمات والأحداث السياسية والأمنية على المستوى القومي الأميركي.

ـ دول غربية طالبت باستعادة المعتقلين الذين يحملون جنسيتها حتى لو أنهم مجنسون، لماذا لم تطلب الدول العربية أيضا باستعادة هؤلاء المعتقلين؟

ـ هذا من الأمور الطبيعية ان تستجيب الإدارة الأميركية إلى طلب الدول الغربية باستعادة المعتقلين الذين يحملون جنسيتها بالعكس تماما مع الدول العربية وبالأحرى الدول الإسلامية لما في ذلك من اقتناع الإدارة الأميركية غير الصحيح على الإطلاق أن الخطر والإرهاب على الولايات المتحدة يأتي من الدول العربية الإسلامية.

فكان من الطبيعي عدم الاستجابة لأي طلب من هذه الدول العربية غير أنه وحسب معلوماتي فإن كثيراً من الدول العربية طالبت بمعتقليها وبخاصة السعودية فهي تبذل جهودا كبيرة ومستمرة فى سبيل استعادة مواطنيها من غوانتانامو.

ـ غوانتانامو رمز لانتهاك حقوق الإنسان أكثر منه لتصفية شبكة تنظيم القاعدة، بعد خمس سنوات من الحرب على الإرهاب أين تصنف هذه الحرب وهل تعتقد أن هناك من دول المنطقة من يدعم فكرة وجود هذا المعتقل للتخلص من صداع الإسلاميين المتطرفين؟

ـ على الإطلاق فالتجربة اثبتت عكس ذلك تماما وخاصة بعد تزايد الضغوط الدولية والمنظمات الحقوقية والإنسانية لإغلاق هذا المعتقل الذي يمثل خروجا على القانون الدولي والقانون الأميركي.

وقد أعلن الرئيس الأميركي قبل عدة شهور على هامش القمة الأوروبية الأميركية عن نيته إغلاق معتقل غوانتانامو وإيجاد حل له قبل نهاية هذا العام ، إلا إن الإدارة الأميركية تتحدى الإرادة الدولية وتكثر كل القيم والأعراف والقوانين الدولية الإنسانية لكي تجعل لمعتقل غوانتانامو حقيقة واقعة ومستقرة في العرف السياسي الأميركي ما يقلل الآمال في إيجاد حل قانوني و أنساني سريع لهذه المأساة.

حوار: رامي سلامة