بدأ العد العكسي لعودة الأسرى اللبنانيين الأربعة إلى ديارهم، بعد سنوات طويلة من الاعتقال في سجون الاحتلال، فعملية التفاوض غير المباشر على التبادل تمضي بخطوات سريعة وساخنة نحو مخارج جذرية، والمساعي الحثيثة تتكثف داخل الأروقة السياسية والدبلوماسية لإنهاء هذه الأزمة الإنسانية التي كانت السبب المباشر والذريعة غير المبررة للحرب الأخيرة التي خاضتها إسرائيل على لبنان.

في المقابل، يتحضر أهالي الأسرى لملاقاة أبنائهم العائدين من مسالخ الاعتقال المرعبة، ينظمون استعداداتهم الخاصة ويترقبون بخوف وحذر أيام الحسم الفاصلة.

«البيان» زارت بيوت وعائلات الأسرى اللبنانيين الذين يستعدون لإقامة أعراس النصر والحرية قريبا، ولاسيما في بلدة البازورية مسقط رأس نسيم نسر المعتقل منذ خمس سنوات في سجون الاحتلال، تعُدّ عائلة نسيم الأيام بالدقائق بانتظار عودته إلى الديار التي غادرها قبل سنوات إلى إسرائيل طوعا للعمل في «التجارة» وحصل هناك على الجنسية الإسرائيلية كونه يتحدر من أم يهودية الأصل هي فالنتين، التي تزوجت قبل خمسين عاما من شاب لبناني واستقرت في الجنوب وأنجبت سبعة أولاد بينهم نسيم الذي فضل الانتقال إلى داخل فلسطين المحتلة للعمل0

كما يوضح شقيقه عمران، وبعد سنوات من إقامته هناك اعتقل فجأة وحكم عليه بالسجن مدة ست سنوات بتهمة العمل لحساب حزب الله وتزويده بالمعلومات، تعرض نسيم لتعذيب يفوق الوصف .

ولم تشفع له المدة التي أمضاها تحت الضغط والترهيب حيث تجدد العنف مضاعفا بحقه منذ أسر الجنديين الإسرائيليين في 12 يوليو، ووضع في العزل الانفرادي وتعرض للضرب المبرح، وقد أبلغ عائلته في آخر اتصال معه قبل أيام قليلة أن السجانين الإسرائيليين لم يتركوا وسيلة إلا واستخدموها في تعذيبه طيلة فترة العدوان على لبنان.

وقال لنا «حرموني من رؤية عائلتي ومنعوا الصليب الأحمر من زيارتي ومتابعة أوضاعي»، لقد اطمأن إلى حالنا بعد الحرب وسأل عن الأقرباء والأصدقاء وقال «قلبي معكم وأعيش لحظة بلحظة مع أخبار الجنوب وأهله، معنوياتنا مرتفعة جدا هنا بعد النصر الذي حققه الأبطال على العدو، نهنئكم بالانتصار ونشد على أيدي مجاهدينا وأهلنا الصامدين وندعو الله أن يجمعنا بكم لنحتفل سويا على أرض الجنوب الطاهر».

فالنتين نسر والدة نسيم ترفض أن يُذكّرها أحد بأصولها اليهودية تقول «أنا مسلمة شيعية منذ خمسين عاما أكره اليهود الذين انقلبوا على إنسانيتهم وتحولوا إلى محتلين مجرمين»، أقامت فالنتين عرسا في منزلها يوم أسر الجنديين بطلب خاص من أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله الذي أبلغ العائلة باقتراب موعد الحرية وطلب منهم إقامة عرس خاص لنسيم، وهكذا فعلوا حيث احتفلت كل القرية ووزعت الحلوى وعلت الزغاريد في أرجاء منزل نسيم القابع حتى الساعة في زنزانته.

حال عائلة سمير القنطار، عميد الأسرى المعتقل منذ 28 عاما، لا تختلف كثيرا عن حال عوائل الأسرى الآخرين، والدة سمير لم تمل الانتظار ولم يصيبها اليأس. تقول «سيعود هذه المرة أشعر أنه سيكون معنا في هذا العيد، لقد تعبت من الانتظار وجفت عيناي من الدموع، أريد أن أضمه بين ذراعي وأقبل جبينه وأمسح عن وجهه تعب العمر الذي ضاع بين السجون».

بسام شقيق سمير الناشط في مجال حقوق الإنسان الذي يتولى ملف الأسرى أكد أن الإفراج عن سمير بات أمرا محسوما ولاسيما بعد تصريح السيد حسن نصر الله ـ الأمين العام لحزب الله ـ الذي أكد أنه لا يمكن أن تتم عملية التبادل بمعزل عن سمير، واعتبر أن التبادل بمعزل عن سمير يعد هزيمة على مستوى قضية الأسرى.

عادل فران والد محمد هو صياد عتيق، علّم محمد ابنه البكر المهنة منذ صغره ليكون له خير معين في تحصيل الرزق، ترك محمد مقاعد الدراسة وكبر على متن قوارب الصيد، خاض غمار البحر مرات ومرات.

وعندما أراد أن يجمع قوت يومه في أحد الأيام باغته زورق حربي إسرائيلي، أطلق الرصاص باتجاهه فأصيب محمد بجروح بليغة كما تبين لاحقا من الدماء التي كانت تملأ قاربه، والد محمد يجزم أن الإسرائيليين اعتقلوا ولده رغم نفيهم المتكرر، لم يترك المعنيون وسيلة بحث في البحر إلا واستخدموها من دون جدوى، يقول والد محمد «لم يغرق ابني بل هو أسير عند العدو.

وتؤكد فرضيتنا هذه تسليم الإسرائيليين قارب محمد الذي كان مليئا بالرصاص والدماء للصليب الأحمر، اليوم أملنا أكبر بعودته نصلي أنا ووالدته ليل نهار كي يكون حيا معافى».

جنوب لبنان ـ ثناء عطوي: