في غضون الأشهر القليلة المقبلة تبدأ الحملات الانتخابية المحضرة لأول انتخابات تعددية حقيقية في موريتانيا منذ سقوط النظام السابق في الثالث من أغسطس الماضي.

وأمام التنافس القوي الذي يتوقع المراقبون أن يطبع تلك الانتخابات يثير المراقبون للشأن الداخلي تساؤلات حول تمويل الحملات الانتخابية المقبلة فمن سيوفر الأرصدة المالية لتغطية تكاليف حملات سياسية محتدمة؟..

وهل تكفي المبالغ المخصصة لدعم الانتخابات بالرغم من النصوص القانونية التي تنظم طريقة الاستفادة منها وتحدد أهلية المستفيدين منها؟..وأين رجال الأعمال من تمويل الحملات في هذه الانتخابات؟..وهل سيكون لدول أخرى يد في تمويل مرشحين للاستحقاقات المقبلة؟.

من المعروف ان الانتخابات التي شهدتها البلاد في العقدين الأخيرين كانت تمول على حساب خزينة الدولة بطريقة مباشرة وغير مباشرة.فالحزب الجمهوري الذي حكم البلاد طوال هذه الفترة نجح في استدراج معظم رجال الأعمال في البلاد إليه وبطريقته تلك قدم مغريات كبيرة للرجال الذين ازدادت ثروتهم بفعل حصولهم على امتيازات مختلفة مكنتهم من الإمساك ليس فقط بثروة البلاد ومقدراتها.

ولكن أيضا بالسلطة التي باتت تخضع لشروط هؤلاء بعد أن استفحلت الليبرالية الموحشة لتتحول الدولة من حارسة إلى أسيرة أو لنتيجة في المحصلة هي أن الأموال التي تصرف في حملات الحزب الحاكم هي نظريا من جيوب رجال المال والأعمال وفعليا من خزينة الدولة..

فالوسائل المستعملة في تلك الحملات بدءا من اليافطات التي تحمل الشعارات الدعائية للمرشحين مرورا بالوسائل السمعية البصرية والسيارات والرشاوى المقدمة لشراء ذمم وأصوات الناخبين كلها تحصر في نهاية المطاف في فواتير ترفع إلى الدولة التي يكون عليها تسديدها.

وقد خلقت هذه الوضعية حالة من شرعية استباحة وسائل الدولة ومؤسساتها لكل الموظفين الذين يتولون مناصب حكومية فيستغلونها لأغراضهم الحزبية والسياسية وصار من السهولة بمكان إقصاء أي موظف لا يمتثل هذه السلوكيات وتعيين موظف مكانه يحسن الولاء للحزب ورئيسه ويتفنن في التلاعب بالأموال العمومية لصالح قبيلته أو حزبه أو لمصالحه الضيقة.

وتأتي الحملات المقبلة في ظرف سياسي واقتصادي مختلف، فبعد سعي الحكومة الانتقالية إلى إخماد بؤر الفساد وعودة مبالغ وسيارات إلى خزينة الدولة وانضمام موريتانيا إلى اتفاقيات الشفافية في ما يتعلق باستخراج واستغلال وسير عوائد النفط.

وبعد حصولها على تمويل الانتخابات من طرف شركائها في التنمية بعد كل هذه الخطوات لم يعد مال الدولة في نظر المراقبين مباحا بين أيدي المتلاعبين كما تقطع تعهدات المجلس العسكري والحكومة الانتقالية بالحياد في الانتخابات المقبلة الطريق أمام من يعتقدون أن الحكومة الانتقالية يمكن أن تسعى إلى دعم طرف على حساب طرف آخر ولن يجرؤ المرشحون في اعتقاد العديد من المراقبين على التماس الاحتضان والتبني من طرف الحكومة الانتقالية ما دامت تلك الحكومة ترفع شعار الحياد والشفافية.

وهو الموقف الذي يرى الكثيرون انه سيفتح نافذة لبعض المرشحين لطلب دعم جهات خارجية قصد تمويل الحملات وهو الأمر الذي تتحدث بعض المصادر عن بوادر لحصوله في ظل شائعات تفيد بوجود اتصالات بين بعض المرشحين وحكومات عديدة لدعم هؤلاء في الانتخابات المقبلة .

ولعل أهم ملاحظة يبديها المراقبون اليوم هي فتور الحماس في أوساط الطبقة البورجوازية الموريتانية وعدم ظهور معظم رموزها حتى الآن خلف شعار سياسي أيا كان باستثناء بعض رجال أعمال أعلنوا مؤخرا انضمامهم إلى حزب تكتل القوى الديمقراطية بزعامة أحمد ولد داداه وإن كان المراقبون يقرأون في تلك الخطوة أول ضوء يشير على بداية الخروج من نفق الصمت الذي يلف مواقف رجال الأعمال الكبار في البلد منذ سقوط نظام ولد الطائع.

إلا أن ذلك ليس دليلا بالضرورة على عزم هؤلاء صرف أموالهم من اجل سواد عيون الرئيس القادم بقدر ما يمثل مغازلة سياسية تستهدف توطيد العلاقات مع من يعتقدون أنه سيفوز بالاستحقاقات المقبلة. وفي هذا الإطار يرى مراقبون أن الاحتجاب الذي يطبع أصحاب رؤوس الأموال عن الظهور خلف المرشحين ليس إلا تكتيكا ينتظر مع مرور الوقت توفر معطيات تجيب على سؤال المرحلة المقبلة، وهو من سيكون رئيس موريتانيا القادم، عندها سوف يتجه هؤلاء إلى المرشح الذي يرونه فائزا في الانتخابات بغض النظر عن حزبه أو تاريخه أو علاقاتهم السابقة به.

وفي هذا الخضم يتساءل المراقبون عن إمكانية استغلال الموظفين الكبار الذين بقوا في وظائفهم والمنتمين حتى اليوم إلى الحزب الجمهوري لمناصبهم لتمويل حملات حزبهم وفق الطريقة التي كانت معتمدة أم أن هؤلاء سيصطدمون بصخرة الواقع الجديد؟.

نواكشوط ـ بشير ولد ببانه: