قال الناطق الرسمي لهيئة علماء المسلمين في العراق د. محمد بشار الفيضي إن التدخل الإيراني لا يحتاج لأدلة جديدة لإثباته بعد كل ما قيل على ألسنة العراقيين والأميركيين وحتى الإيرانيين أنفسهم. وقال إن المصالحة التي يطرحها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي غير مجدية وتشبه السراب لعدم تمتعها بالجدية أو الواقعية والمنفعة الشاملة،

واتهم المالكي بأنه لا يزال أسير الطائفية.وشن الفيضي في حوار مع «البيان»، هجوماً شرساً على الدعوات للفيدرالية وقال إن هدفها تقسيم العراق، وشدد على أي حديث حيال هذا المر لا يمكن أن يتم إلاّ بعد زوال الاحتلال وانتخاب حكومة وطنية.

فيما يلي نص الحوار:

* هل الهيئة في مواجهة مع الميليشيات المسلحة؟

ـ هيئة علماء المسلمين منذ بداية تشكيلها تبنت خيار المواجهة مع الاحتلال الذي يستهدف العراق في وحدته وثرواته وسيادته، وعلى هذا الأساس فإن الاحتلال والأطراف السياسية التي قدمت معه أو تلك التي توافقه في الأهداف، أو الميليشيات المدفوعة من جهات خارجية تلتقي مع المحتل في شيء من أهدافه.. كلها تعمل في مواجهة الهيئة.

ومن دون شك فإن الهيئة لا تقف وحدها في الميدان فثمة مقاومة وطنية يعجز اللسان عن وصف بسالتها وعظم نكايتها بالعدو تسير والهيئة في ركب واحد، وثمة قوى سياسية أخرى، عارضت الاحتلال منذ اليوم الأول تقف مع الهيئة أيضا وكذلك قوى عشائرية ومنظمات مدنية.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار فشل العمليات السياسية المتعاقبة وتدني الخدمات وتنامي الفساد الإداري وانتشار فرق الموت وعصابات المافيا وما نجم عن ذلك من كوارث حلت بالشعب العراقي جعلت الفئات الكبرى منه تنسحب من مواقف دعمها لهذه العمليات وامتلاءها غضبا وغيظا إزاء من يقف وراءها يمكننا القول إن المواجهة اليوم اكبر من كونها مواجهة مع الهيئة لأنها تتبلور في اتجاه مواجهة مع الشعب العراقي.

* ثمة اتهامات من قبل الشيخ حارث الضاري وأعضاء آخرين في الهيئة حيال تدخل إيران في العراق، كيف يمكن أن توجزوا الدور الإيراني؟

ـ التدخل الإيراني في العراق من القناعات التي تشبه مقولة: السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والذي يزعم أن إيران لا تتدخل يثير السخرية والدهشة لدى العراقيين تماما كما يثيرها من يقول، لا سماء فوقنا ولا أرض تحتنا. وإذا اجلنا الحديث عن شواهد الواقع التي نملكها بهذا الصدد لان عرضها يطول، واقتصرنا على ذكر تصريحات السياسيين والقادة العسكريين ورجال الاستخبارات سنجد أنفسنا أمام كم من التصريحات يؤكد التدخل الإيراني. وإذا ابتدأنا بالمسؤولين الإيرانيين أنفسهم

فعلى رغم أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية علي خامنئي قال في خطبة له بعد الاحتلال مباشرة أن هذه المعركة بين أميركا وصدام وان إيران ستقف على الحياد إلا أن إيران لم تلتزم بذلك، ويكفي للتدليل على هذا الأمر تصريحات نائب الرئيس السابق علي أبطحي انه لولا إيران لما كان للأميركيين من تواجد على ارض العراق وأفغانستان ومثل ذلك نقل عن الرئيس محمود احمدي نجاد.

وفي 2004 وخلال زيارة له إلى لندن أعلن نائب قائد الحرس الثوري بان إيران لديها في العراق لواء من المجندين لصالحها ولها علاقة مع فصائل أخرى لضمان حماية الأمن القومي.وبعد الانتخابات العراقية الأخيرة وصف الرئيس الإيراني السابق علي اكبر هاشمي رفسنجاني الانتخابات بأنها نصر للجمهورية الإيرانية وأضاف ان النتائج الانتخابية كانت مناقضة تماما لتوقعات الولايات المتحدة الأميركية.

وإذا جئنا إلى تصريحات العراقيين، ففي وقت مبكر أعلن رئيس المخابرات العراقية محمد الشهواني أن إيران تتدخل في الشأن العراقي، وانها تقتل ضباطا عراقيين، أما وزير الدفاع في عهد الحكومة المؤقتة حازم الشعلان فكان يعلن بصراحة عن التدخل السلبي لإيران وكان يتهمها بأنها وراء المفخخات التي تحصد الأبرياء من المدنيين .

وثمة تصريحات خطيرة أدلى بها المشرف السابق للقوات الخاصة العراقية اللواء منتظر السامرائي إذ اتهم منظمة بدر بالقيام بأعمال تعذيب داخل الوزارة وقال إن الذين يقومون بالتعذيب إيرانيون أو عراقيون كانوا يقيمون في إيران جاءوا إلى العراق بعد الاحتلال الأميركي،

وذكر على سبيل المثال مساعد الوزير والمسؤول عن السجون السرية بشير ناصر الاوندي الذي حصل على الجنسية العراقية في العام 2004، وقال إن محمد باقر صولاغ عين 17 ألفا من ميليشيات بدر في وزارة الداخلية وان هؤلاء مازالوا يتقاضون رواتب من طهران.

أما المسؤولون الأميركيون فيعلمون على وجه الدقة حجم التدخل الإيراني كما ونوعا، ولكنهم كانوا يتجاهلون ذلك إلى وقت قريب، بما يوحي أن ثمة ما يشبه الاتفاق بين الطرفين، وسلكت جهات إلى الأمم المتحدة وثائق تؤكد أن ضباطا إيرانيين كانوا يحققون مع أفراد من المقاومة العراقية داخل المعسكرات الأميركية على ارض العراق،

وإذا صحت هذه الوثائق فلنا أن ندرك حجم هذا التعاون الذي يبدو انه كان يتم تحت بند العدو المشترك لكن الأميركيين ومنذ بداية سخونة الملف النووي الإيراني بدأوا بتصريحات هنا وهناك عن هذا التدخل، فوزير الدفاع دونالد رامسفيلد قال قبل ما يقرب من سنة ان إيران تتدخل بقوة وانها تستعمل اسلحتها، تلته كوندوليزا رايس في جلسة استماع أمام الكونغرس حين سئلت عن هذا التدخل فقالت إن النفوذ الإيراني أكثر تعقيدا من النفوذ السوري.

* طرحتم شروطا أربعة للمصالحة فهل هناك مصالحة من دون الهيئة والبعثيين؟

ـ بالنسبة للشروط الأربعة، التي جاء ذكرها على لسان احد أعضاء البرلمان وروج الإعلام لها كثيرا فلا نعلم عنها شيئا، ولم نصرح بها أصلا، ولاحظنا ان محاولات تجري بين الفينة والأخرى لتقويلنا ما لم نقل، ولا أدري هل أن من روج هذه المعلومة يقصد ذلك فعلا أم انه اجتهد في استنتاج ذلك من جملة أحاديثنا حول هذا الموضوع.

أما بالنسبة لمبادرة المالكي فلقد كان لنا منها موقف واضح عبرنا عنه خلال لقاء لنا مع قناة أبوظبي في برنامجها الشهير المدار، وقمنا بتوثيق ذلك في اليوم التالي على موقعنا الرسمي في الانترنت. قلنا حينها إن أية مبادرة للصلح لابد أن تتوافر فيها ثلاثة أوصاف حتى تكون مجدية ويكتب لها النجاح،

أولا: أن تكون واقعية،

وثانيا: ان تكون منافعها شاملة لأطراف الخصومة،

وثالثا:ان يكون صاحب المبادرة قادرا على تنفيذها، والمتأمل في مبادرة المالكي لا يجد فيها أيا من هذه الأوصاف، فهي ابتداء ليست واقعية لانها تتجاهل المشاكل الأساسية في القضية العراقية، إذ هي لم تتطرق للاحتلال أصل المشكلة.

* هل الهيئة تحاور المرجعيات في النجف وكربلاء، ولماذا تعد النتائج غير كمجدية في الشارع؟

ـ كانت الهيئة على صلة بالمرجعيات في كربلاء والنجف في الأشهر الأولى من الاحتلال، وكانت تحاورهم في المستجدات وتدارست وإياهم حل عدد من المشاكل، منها على سبيل المثال ما قام به مقتدى الصدر حينها من الاستيلاء على عدد من المساجد بالقوة لكن هذه العلاقة فترت بعد تشكيل مجلس الحكم، بسبب أن الهيئة كانت ترى في هذا المجلس مشروعا أميركيا سيدفع بالبلاد إلى مزيد من الأزمات، وصدق الواقع رؤيتها فيما بعد، بينما رأت المراجع انه خطوة في الاتجاه الصحيح.

ومع ذلك فالهيئة لم تنقطع عن مواساة المراجع لما يصيب متبوعيهم من أبناء وطننا، أو وكلائهم من اعتداء أو استهداف، فكانت للهيئة بياناتها الواضحة في هذا الصدد، وكانت تبعث بأعضائها للمواساة المباشرة في المجالس العامة، وحتى هذه اللحظة لم تنقطع الهيئة عن هذا المسار الذي تراه لازما للمحافظة على الوحدة الوطنية، بينما تواصل اللقاء مع السيد مقتدى الصدر حتى أحداث سامراء الأخيرة.

لكن في المقابل لم تكن المراجع الدينية الأخرى تبادلنا الشعور ذاته، فلم تكن تدين ما يصيبنا من قتل وما يصيب مدننا من احتياجات يموت فيها آلاف، ومع انه قتل من أعضائنا حتى الآن أكثر من 100 معظمهم على ايدي الميليشيات والبقية على يد قوات الاحتلال وأجهزة الدولة،

وسجن مثل هذا العدد في سجون هذه التشكيلات جميعا لم نسمع منهم كلمة إدانة او مواساة، حتى اضطررنا يوما إلى معاتبتهم عبر الإعلام وقلنا لهم: لماذا نزوركم ولا تزوروننا؟ لماذا ندين ما يجري في النجف ولا تدينون ما يجري في الفلوجة؟ ولم نسمع حتى هذه اللحظة جوابا.

* كم طرفا من الميليشيات يوجد على الأرض في العراق برأيكم؟ وهل تنتمي إلى جبهة واحدة أو تعمل لصالح طرف واحد؟

ـ حسب علمنا هناك عناوين كثيرة لميليشيات تعمل على الساحة العراقية، ونحتفظ بما يقرب من30 عنوانا، عدد من هذه العناوين، تبلورت على مايبدو قبل الاحتلال، ولذا بدأت عملها في التصفية الجسدية لمن تنظر إليهم على أنهم أعداء في وقت مبكر، وكانت تمارس اعمالا أخرى تخريبية في مجملها تصب،

بالتحليل والاستنتاج، لصالح دول جارة ومنها إيران، فقد هرب الكثير من خيرات العراق الى الدول هذه، وهناك وثائق تؤكد قيام هذه الميليشيات بتهريب معدات عسكرية، مهمة وخطيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر محركات لطائرات السيخوي، وغير ذلك مما يدمي الفؤاد كشفه وذكر تفاصيله، وسرقات بهذا الحجم يصعب تصورأنه تم بمعزل عن علم الحكومات.

والملاحظ على هذه الميليشيات انها ذات تخصصات، فبعضها متخصص بالسرقة، وبعضها متخصص باغتيال اساتذة الجامعات وهكذا.. هناك مثلا من هو متخصص بقتل سنة أصولهم شيعية فهناك ميليشيا تسمى بـ «غسل العار» تمارس هذا الجرم ايضا، لدينا عضو في مجلس شورى الهيئة هوالشيخ عبدالستار عبدالجبار الربيعي، هذه الميليشيات قتلت شقيقيه ثم اتبعت ذلك بقتل ولديه، وقبل ايام قتلوا له ثلاثة اشقاء آخرين دفعة واحدة، وهم كسبة بسطاء ليس لهم نشاط سياسي او أي شيء يثار ضدهم.

وفي كل هذه الاحوال فان هذه الميليشيات تنفذ اجندات وهي مشغولة هذه الايام بتصفية احياء الرصافة في بغداد من السنة، وتهجيرهم بشكل قسري.ولابد من الاشارة ان هناك ميليشيات مرتبطة بقوات الاحتلال، وبالموساد الاسرائيلي، ولكن مساحة العمل لهذه اضيق وهي معروفة عادة بعمليات نوعية مرصودة لدينا.

* كيف تجدون العلاقة بين جبهتكم والحكومة العراقية وتاريخيا على مدار ثلاث سنوات.. برأيكم أي الحكومات كانت اقل ضررا بالعراقيين؟

ـ نحن من قبلنا لم ننظر الى اية حكومة على انها حكومة شرعية لانها نشأت في ظل الاحتلال ما بين تعيين مباشر منه، او انتخابات يضع الاحتلال اسسها ويشرف عليها ويتحكم في نتائجها، لكننا مع ذلك لم نبخل على هذه الحكومات بالنصح وكنا نقول لقادتها امامكم فرص لتثبتوا للشعب العراقي انكم قادرون على ادارة البلاد بما يخدم مصلحة الوطن، وكنا نمنح هذه الحكومات مهلة قبل ان نباشر نقدها علنا،

ونتجاهل مايبدر منها من اخطاء يمكن احتمالها، لكن هذه الحكومات كانت محبطة في سلوكياتها، وارتكبت اخطاء كبرى بحق الشعب العراقي، وهي شريكة للاحتلال في كل جرائمه، لانها مارست معه دورين: الاعانة من جانب، ومنح الغطاء القانوني لعملياته الدموية من جانب آخر، وكل الحكومات المتعاقبة بما فيها الاخيرة طالبت هذه قوات الاحتلال بالبقاء، فهي تتحمل هذه المسؤولية ايضاً.

اما أي الحكومات اقل ضررا فليس لدينا في تقديري ما يشجع على هذا الفرز لأن الضرر كان من الجميع على اختلاف في الاساليب، اما حكومة المالكي فيصعب ادخالها في هذا التقييم لانها لاتزال في اول الطريق لكن بداياتها غير مشجعة حتى هذه اللحظة، فرئيس وزرائها شكر الاحتلال في واشنطن ودعا قواته الى البقاء، ويسمي المقاومة ارهابا، ولايزال اسير الطائفية في خططه الأمنية.

* هل تعتقد أن العراق في حرب أهلية؟

ـ الحرب الداخلية تتجسد بين الميليشيات والمدنيين، لكن لأن هذه المليشيات تمارس نشاطاتها الاجرامية على مساحة واسعة وتتلقى دعما مباشرا من بعض الاجهزة الأمنية للحكومة، لذا تبدو الصورة مظلمة وكأننا في حرب اهلية، والواقع ليس كذلك، فالشعب العراقي بكل مكوناته، فيما يبدو لي، متماسك، واسأل الله سبحانه ان يبقيه كذلك، لأن الحرب الاهلية إذا اندلعت ستحرق المنطقة بالكامل، وسيتطاير شررها ليشمل مساحات واسعة من العالم العربي والإسلامي، نسأل الله العافية.

* هل توافقون على الدعوات الى الفيدرالية في الجنوب؟ وهل هي للحفاظ على العراق ام خطط لتقسيمه؟

ـ لايخفى على كل ذي لب ان الدعوة الى الفيدرالية في ظل الفوضى العارمة في العراق تضمر في طياتها، أدرك ذلك الداعون اليها ام لم يدركوا، تقسيم العراق.

ان العراق اليوم له حكم مركزي، وفي البصرة من يستقل بالقرار، وفي النجف من يفعل ذلك ايضا، وكأن الحكومة في بغداد موضوعة للتشريفات فقط.لدينا حكومة مركزية وسرق من نفط الجنوب حتى هذه اللحظة ما يقرب من 20 مليار دولار بينما أهلنا في الجنوب رهينة الفقر والجوع وسوء الخدمات.

إن الذين يسعون إلى الفيدراليات يريدون أن يبنوا لانفسهم ملكا ليس الا، ونحن على يقين ان ذلك لو تحصل لهم، سيبقى الشعب مرتهنا لهم ولن يقدموا له شيئا، لانهم لو ارادوا ذلك لقدموه الآن لاسيما ان الوضع في الجنوب غير ساخن واموال الدعم الدولي وردت الى العراق بالمليارات، فاين ذهبت الاموال ولماذا لم يتحسن الوضع في الجنوب .

* هل انت متفائل وفق ماتسمعه من جماهيرك وتشاهده على الارض؟

ـ لست متفائلا على المدى القصير، فمع وجود الاحتلال والميليشيات يصعب التفاؤل، لكنني مابعد هذا المدى متفائل. فثقتي بهذا الشعب الصابر المحتسب بكل مكوناته، ومن شماله الى جنوبه، فما وضع في طريقه من افخاخ لو وضعت في طريق شعب آخر لانخرط في 100 حرب اهلية لكنه ظل متماسكا يتجرع الصبر، ويحتسب عند الله سبحانه الأجر.

حوار: رنا خالد