قال رئيس الوزراء العراقي السابق الدكتور إبراهيم الجعفري، أنه ركل السلطة بقدمه بعد أن وجدها تتعارض مع مصالح شعبه و مقاساته الوطنية. وأكد في حوار مع «البيان»على أنه لا يستمد دعمه أو معنويايه من دولة معينة حتى تنضب، لأن تلك الدولة غيرت موقفها معه.
وقال انه لا يعاني من أزمة تنظير أو أزمة تطبيق مع أبناء الطائفة السنية في العراق وانه يحبذ أن يتصدى إلى رئاسة الجمهورية في البلاد عربي سني. وفي الملف الخارجي، قال الجعفري انه لا يمانع في لعب دور الوسيط بين طهران وواشنطن لنزع فتيل أي حرب محتملة.
هنا نص الحوار:
* هل لك أن تضعنا بالصورة الحقيقية لما يجري في العراق وما تقييمك للتحذير من خطر اندلاع حرب أهلية ؟
ـ بالنظر إلى الواقع العراقي من الناحية التاريخية فأنه لا توجد هناك سابقة حرب طائفية أو أهلية في تاريخ العراق على الرغم من وجود تنوعات مذهبية وقومية ودينية وسياسية، والحرب التي كانت تجري في التاريخ العراقي هي نمطية باتجاه الحكومة، من جانب الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق مقابل الشعب.
لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن الدولة التي ليس في تاريخها حرب أهلية لا يكون لا سمح الله في مستقبلها حرب من هذا النوع، لكن المهم هنا هو أين نحن الآن مما كان عليه واقعنا في الأمس. من المؤكد أنه بدأت حاليا تروج نمطيات في التعامل هي غريبة على تاريخنا، وأتصور أن الشيء الذي يقال مبالغ فيه، لكن أنا معكم في أنه بدأت تبدو أشياء غريبة وبدفع غريب على الواقع العراقي. حيث يقتل بعض أبناء الشيعة بأسماء سنية ويقتل بعض أبناء الطائفة السنية بأسماء شيعية.
* من يقف وراء ذلك على حد علمكم؟
ـ من المؤكد أنه هو الآخر اللاسني واللاشيعي.
* هل تقصدون بذلك القوات الأجنبية في العراق؟
ـ لست من الذين يجنحون إلى تفسير الأشياء بنظرية المؤامرة وإنما ابحث عن كل ظاهرة وأحاول أن أضع اصبعي على السبب.
* إذن من الذين يقفون وراء تلك الأحداث بالتحديد وفقا لما تراه؟
ـ هو عبارة عن سبب مركب، جزء من هذا المركب هو ثقافة البعض والمتمسكين بأذيال البعث. لا اقصد هنا من هو مضطر، وإنما بعض الرؤوس والرموز التي لا زالت تتشبث بأذيال البعث السابق وتطبق نظرية نحن نحكم العراق.. ولذلك فان الحرب تأخذ صفة منظمة، بالإضافة إلى وجود ثقافة طارئة جديدة وهي الحكم على أبناء الطوائف واستباحت دماءهم وأعراضهم ومقدراتهم الاقتصادية وهذا أمر غريب وهو بالطبع جاء من الخارج العراقي.
الأول جاءنا من الخارج السياسي الوطني العراقي والثاني جاءنا من الخارج الجغرافيا والديمغرافيا العراقية. كذلك هناك مافيات بدأت تختطف وتسيء وتحاول أن ترتزق بهذه الطريقة السيئة.. إذن نحن أمام مركب إرهابي تساهم فيه وترفده مجموعة روافد.
* هل للدول المجاورة دور في روافد المركب الإرهابي الذي أشرتم إليه؟
ـ دعني أفرق بين البلدان المجاورة والدول المجاورة، البلد المجاور بما فيه أرض وسكان أكيد هناك بعض المتسللين من مناطق الجوار الجغرافي وليس بالضرورة من هذه البلدان وإنما عبر أراضيهم وربما يكون بعضهم من تلك البلدان لكن لا نستطيع أن نحكم على حكومة هذه الدول خصوصا وأنها تؤكد أنها لا تشجع هذا العمل وإنما البعض منها هو ضحية الارهاب أصلا. وليس سرا على احد أن الأردن والسعودية ضحيتان للإرهاب، فلا نستطيع أن نحكم بأن هذه الدول أو غيرها متورطة فليس لدينا أرقام.
* هل تخشى من حرب إقليمية قادمة؟
ـ الحروب عملية قد تلجأ إليها بعض الدول عندما تفشل سياسيا في تحقيق طموحاتها. والحرب عادة قرار سياسي فاشل، فعندما يفشل أرباب السياسة في تحقيق أهداف معينة قد يميلوا إلى اشعال فتيل الحرب. ولكن أمة في أطرافها المتنامية في هذه المنطقة ومناطق أخرى تكره الحرب وتحاسب قادتها بقسوة عندما يتورطوا في الحرب.
فالشعوب بطبيعتها تكره الحرب. مع ذلك قد يعرض البعض بلدانهم وبلدان أخرى إلى حروب، لكن هذه الحماقات التي تنتهي الى مزيد من هدر الدم والثروات وإحداث الشروخ كما كانت تحدث سابقا في أوروبا هذه محتملة، لكن الشعوب لا تتعاطى معها وترفضها. خصوصا وأن هناك حالة من الصحوة الإنسانية بصورة عامة.
كما أنه لا حرب تحدث إذا لم تسبقها ثقافة. الثقافة التي سبقت الحروب السابقة دعت إلى التمايز، والذي أخذ يتمظهر عندما لم يتحقق الاقتصاديون والسياسيون على شكل حروب الآن النظرة الموضوعية من أفق التعاطي الثقافي في كل العالم لا تجد هناك ثقافة بان الجنس أو الشعب الفلاني أفضل من بقية الشعوب. حاليا على الأقل الناس تستحي أن تتكلم في ذلك. حيث علت صيحات أخرى منها حقوق الإنسان واحترام الشعوب والعولمة بالمعنى الايجابي.
* ألا تخشى على إيران من حرب مقبلة؟
ـ أنا أخشى على كل دول العالم من الحروب، ربما تسألني هل تخشى على العراق باعتباري عراقي. أما إيران كدولة جار. فاني لا أتمنى للسعودية أو إيران أو الكويت أو تركيا أو سوريه، أو أي بلد في العالم. فتبقى الحرب كلمة مقيتة ، ومعذرة «قذرة» مهما كانت مبرراتها.
فهي لا تفرق بين صغير و كبير، تجعل الناس يعيشون في ظلمة في زمن النور، وفي جوع في زمن الخير وفي مرض في زمن الصحة وفي انتهاك الحقوق في وقت الجميع يطالب بحقوق الإنسان. لا اعتقد أن هناك إنسان يتمنى لنفسه ذلك. اعتقد أن أي خلاف عما يحدث بين أي دولة وأخرى المهم في هذه الحالة ان يتحاوروا، ونطبق القاعدة القرآنية الكريمة بالقول: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين».
* لو عدنا إلى فترة حكمك، والجدل الذي دار حولها، يثار أن الأميركان هم من كانوا ضد تواصلك في مسؤولياتك، وما هو دور الأكراد الحقيقي في ابعادك عن الحكم؟
ـ من المؤكد أن هناك مركب كبير ومتجذر وطنيا بالعراق ويمثل القوى الوطنية المختلفة، مثل جماهير الشعب كانت تتمسك برئاستي للحكومة وتوصل وتعبر عن مشاعرها، وشقت طريقها إلى التلفاز ولم يكن ذلك سرا، حيث خرجت الى الفضاء وعرف القاصي والداني بها وتحولت إلى حالة جماهيرية وشعبية.
ومن دون شك هذا غير مقصور على الحزب الذي أتشرف بالانتماء له (حزب الدعوة) أو محصور على المذهب الذي أتشرف بالانتماء له، وحتى ليس محصورا على المدينة أو إلى آخره، وإنما حالة وطنية عراقية ومثلما يكون فعلك كبير تكون ردود فعلك أيضا كبيرة. هناك أيضا الآخر يقبع و خطط وينظر الى مصالحة.
فتحركت مساحة ثانية مساحة الضد. كما أنه من الصعب أن تقول أن أميركا يجب أن تفكر من مراكز القرار، فهي متعددت المؤسسات وكذلك متعددت التوجهات، وفي العراق أيضا أخذت الحالة النمطية المضادة بحساباتها. في نفس الوقت هناك مساحة ثالثة تختلف معك بالرأي واحترمها حتى إذا ما اتفق معها، فلها وجهة نظر أخرى يمكن هذا الهيكلية التي بنيناها أو الرمزية التي طرحناها،
على كل حال بالنسبة لي لم أنطلق مستمدا معنوياتي من دولة معينة حتى تنضب أو تجف لأن تلك الدولة غيرت موقفها معي. لدي مبادئ وقيم و أقف على قاعدة جماهيرية ودائما أسأل نفسي هذا السؤال عندما يريدني شعبي أن أكون في هذا المجال وهذا الخندق سأقف وعندما يرفض شعبي سأمتنع.
* ذكرت أن الشعب العراقي اختارك بالانتخاب، ولكنك امتنعت وانسحبت من السلطة؟
ـ لم امتنع على العكس من ذلك أضريت وعندما واجهت قوى معينة حاولت أن تستميلني للانسحاب رفضت ذلك، إلا أني أعدت الأمانة إلى الجهة التي مثلت شعبي بانتخابي وهم الاخوة في الائتلاف، لأني شعرت بأن إصراري بدأ يقترب قليلا قليلا من عنق زجاجة، والذي قد يصدع بنية الائتلاف ووفاءا مني للائتلاف باعتباري انتمي له من جانب و أمثل أكبر كتلة في البرلمان برلمانية من جانب وجدت من خلال مجلس استشاري متنوع حولي يمثل عدة أحزاب من المصلحة ان أعيد قرار المسؤولية مرة أخرى إلى الائتلاف وكذلك كان.
والرسالة التي كلفت الأخ المالكي بقراءتها أو الخطاب الذي وجهته لم تكن به كلمة تنازل أو تنحي أو انسحاب إنما أعادت التكليف مرة أخرى الى الائتلاف بغرض اتخاذ القرار المناسب وبالنسبة لي سأتفاعل مع النتيجة هذا ما كان عليه القرار.
* لماذا شخصكم هو الذي كان المقصود بالابتعاد عن الحكومة؟ وما علاقة ذلك بالاتهام الموجه إليكم بأنكم من أسس الطائفية في العراق؟
- القضية اكبر من أن تكون مجرد كوني عضو من أعضاء حزب الدعوة وجرى الاختلاف معه. ولم يكن حزب الدعوة مجرد حزب من بقية الأحزاب وحصل عليه اختلاف، وإنما خرجت إلى فضاء الدولة وصرت على رأس الحكومة وجاء الاختلاف مع هؤلاء. إذن القضية ذات بعد نمطي سياسي حاكم يشمل الحكومة العراقية التي نشر رئيس الحكومة ظلة على الحالة العامة جماهيريا ومؤسساتيا..
إذن القضية لا يمكن ان تختزل لا بحزب الدعوة الاسلامية ولا في شخص رئيس الوزراء وإنما هو طرح ونمط من التعاون يبدو آثار مثلما أثار عناصر الراحة والانسجام والراحة مع الكثيرين أثار أيضا هذا النوع من التعامل. حقيقة البعض ربما لديهم أجندة يعتقدوا جدولة ما يريدون تتعارض وتتناقض مع جدولة ما أثبتت لهم سياقات العام الماضي. وطبعا سيندمون. بالنسبة لي انطلقت انطلاقة وطنية عراقية وكل المقاسات بنيت على أساس العراق.
أما ان تتهم الحكومة بأنها طائفية فهذا ابعد ما يكون على الحقيقة، ليس هذا مجرد ادعاء وإنما ممارسات على الأرض وتراث وتاريخ وحاضر. تاريخي في التعامل مع أبناء المذاهب المتعددة منذ نحو 20 عاما وأنا طالب في الجامعة - جامعة الموصل - التي تعتبر أكبر محافظة سنية في العراق، كنت أتعامل معهم بكل محبة
و حينما جئت الى الحكم فالحمد لله واشكره باني استطعت توضيح وجهت نظري وهي التفريق بين التعايش المذهبي والتفرقة أو النعرة الطائفية بأجمل صورة، مثلا الوزراء الذين أتعامل معهم والحكومة التي أصر عليها يجب أن يكون من بينهم عدد معين من الوزراء السنة.
بتقديري أن الطائر السياسي العراقي لا يمكن ان يحلق بأجنحة ناقصة والجناح السني العربي جناح أساسي يوفر للطائر السياسي أن يحلق بالأفق العالي. كما أحبذ أن يتصدى إلى رئاسة الجمهورية سني عربي ولم يكن هذا قضية شخصية بيني وبين الأستاذ جلال طالباني أو من الأكراد، بل بالعكس تربطني علاقة قديمة معه.. ونحن أصدقاء.. لكن هذه قناعتي فليست لدي عقدة.
* بسبب كونك مازلت رئيسا لحزب الدعوة فان الشكوك تدور حول أنك ما زلت صاحب القرار الأول والآخير في رئاسة الحكومة العراقية الحالية التي ينتمي رئيسها لهذا الحزب؟
ـ هذا الاتهام باطل لا أساس له من الصحة. حتى في تصدي الفعلي أطرح كل شيء على مجلس الوزراء. لم أكن اطرح شيء على الحزب لأخرج سياسة الدولة منه. كان لدي مجلس وزراء، كما أني قسمت على اليمين في تطبيق الدستور، وأتعامل مع مجلس الوزراء في كل ما يتطلب الأمر من تحديد سياسة الدولة وتطبيق مقررات الجمعية الوطنية. وفق قانون إدارة الدولة قبل أن يتحول الى دستور دائم.
درجت عادتي في التعامل مع الأخوة في مجلس الوزراء حتى في الأمور التي هي من محض صلاحيتي حيث أستشيرهم. فكيف بك واخ متصدي وهو كفوء لا يحتاج ان أتدخل وليس بي طبيعة أن أكون فضولي ومتطفل على مسؤوليات الآخرين. لا يشرفني أن أخطط في الخفاء كيف أدير حكومة. لست بحاجة إلى ذلك، كما أن الآخر طبيعته يحب ان يتحمل مسؤوليته، وهذا شيء اعتز به حينما أرى أي رئيس وزراء وأي واحد في سدة الدولة أراه مصر وماضي بطريق صحيح هذا الأمر يفرحني.
* ماذا إذا لو تكرر نفس السيناريو معكم، فهل ستقبلون السلطة؟
ـ سأقوم بنفس العمل، عندما يريد شعبي مني ذلك على أن أضحي بحياتي من أجله، لقد آليت على نفسي ان أقدم حياتي لشعبي، وعبرت عن ذلك في أكثر من خطاب. ولذلك عندما آتي ليس من باب الغنيمة، وإنما من باب التضحية، لذلك لم أتردد قيد أنملة أو لحظة في أن اركل الموقع بقدمي حينما تعارض مع مقاساتي الوطنية، لو كنت قد خدمت الموقع دون ان استخدم الموقع لكانت المقاسات تختلف، لقدمت تنازلات،
لحاولت أن أتشبث بالموقع، بينما نظرت إلى الموقع بأنه مكان لخدمة شعبي لا ان استخدم شعبي لخدمة موقعي. إذن فإذا عرض على ذلك ورأيت شعبي يريد مني ذلك، سأضطر إلى أن أتقبله حتى لو كنت في داخلي غير متقبل لذلك.
لندن ـ راشد العيد
