تعافى سامر من جروحه التي أصيب بها أثناء معارك وادي الحجير، الشاهد على «يوم الميركافا» المذل، عاد من الحرب ممزق الجسد، خضع لعمليات جراحية عدة وعاد قبل أن ينبت ربيع القرى ليروي قصة جديدة من قصص الحرب وأحداثها الدامية التي سطرها مع أشقائه الأربعة علي وفادي وشادي وجعفر، خمسة أشقاء من عائلة واحدة هم نموذج عن بيوت جنوبية كثيرة قدمت أبناءها على مذبح الوطن كي لا يضيع الوطن.

«البيان» توجهت إلى احد هذه البيوت لتلتقي شبابها الذين رفضوا أن تعفر دبابات العدو تراب قراهم الطاهر فالتصقوا بالأرض والحقول وطاردوا جنود العدو حتى آخر رصاصة وآخر نقطة دم وعرق وعزة وشهادة.

يتمدد سامر طراف على كنبة طويلة، تجول أفكاره في ميدان القتال، الذي وقع على أرضه جريحا عاجزا عن الحراك قبل أن يصل شقيقه شادي الذي كان رفيقه في المجموعة نفسها لصد «الكوماندوز» الإسرائيلي على بلدة الغندورية، يعيد سامر رواية ما جرى .

وهو كالنائم المتجمد أمام تلك اللحظات، يقول «أصبت بجروح بليغة ونزفت حتى الموت، قرر شقيقي شادي إنقاذي مع مقاوم آخر سحبوني من أرض المعركة تحت غطاء ناري كثيف، كدنا أن نخرج من الوادي قبل لحظات من إغارة طائرة حربية علينا مطلقة صاروخا بجوارنا فاستشهد شادي على الفور جراء شظايا كبيرة اخترقت خاصرته، احتضر أمام عيني وروحه تنتفض وعيني لم تفارق عينيه ودعته بصمت فالوقت ليس للبكاء أو العزاء، قررت أن أعبر حلقات النار.

وأعود بعد أن أيقنت أنه أسلم الروح، استجمعت قواي وسرت تحت هدير الطائرات مسافة خمسة كيلومترات تقريبا والدماء تغطي وجهي وجسدي حتى وصلت إلى بلدة قلاويه.

حيث كان هناك شباب مقاومون يعرفونني نقلوني إلى بلدة الزرارية والقصف فوق رؤوسنا ومنها نقلني الدفاع إلى مستشفى حمود في صيدا وبدأت رحلة العلاج التي استمرت أسابيع حيث خضعت لعدة عمليات لسحب شظايا من وجهي وفمي ورجليّ».

سألناه: «شادي رحل فماذا عن الآخرين على الجبهة؟»، يغرق سامر في صمته مجددا وعيوننا تحدق به بانتظار الجواب، يستدرك قائلا «فادي وجعفر شقيقي الآخران كانا في المعركة نفسها يتصديان للعدوان ولكن ضمن مجموعة ثانية، أما علي أكبر أشقائي فكان راقدا في المستشفى بعد إصابته بشظايا صاروخ إسرائيلي منذ أيام الحرب الأولى.

بعد ساعات على خروجي من المعركة المنهكة التي استمرت ثلاثة أيام علمت أن شقيقي الآخر فادي استشهد على المحور نفسه بعد أن نفدت ذخيرته وسدت أبواب الإمداد أمامه، لم يهرب أو ينسحب كما أخبرني رفاقه بل ظل يتقدم ويقاوم .

ويقتل المزيد من الجنود حتى وصل إلى نقطة اللاعودة... أصبحت أخا لشهيدين بطلين وأنا فخور بذلك لكن قلقي على جعفر شقيقي الثالث كان يزداد بعد أن انقطعت أخباره أثناء المعركة.

ولم ير أحد جثته، ظننته أسيراً لدى الإسرائيليين لكنه كان أقوى من أن يقع في قبضة اليهود الجبناء الذين برهنوا لنا أقصى ضعفهم وخوفهم في معارك المواجهة معهم، وصراخهم وبزاتهم العسكرية الممزقة وأوراق هوياتهم التي تركوها في أرض المعركة أكبر دليل على خسائرهم وعلى عدد القتلى والجرحى الكبير الذي سقط في صفوفهم».

يقطع كلام سامر نحيب تلك السيدة التي كانت شغوفة لسماع المزيد عن بطليها شادي وفادي كل مرة ولو تكررت القصة نفسها والحديث ذاته، تضع أم الشهيدين رأس سامر على كتفها وتردد «الله عوضني بالباقين لكن فراق الفارسين صعب ومر، كلهم جاؤوا وودعوني إلا شادي وفادي فلم يفعلا وكأنهما أرادا أن يبتعدا عن عيني منذ بداية الحرب، حدثني فادي مرة واحدة على الهاتف .

وقال لي طمئنينا عنكم فأجبته طمئني أنت عنك على الجبهة، ضحك وقال نحن بخير ارتاحي نريد فقط دعواتك، ربيتهما حتى كبرا احتضنتهما وأحببتهما بشدة كانا خلوقين يؤمنان بالله، اختارا هذا الطريق دون إذن من أحد ونحن لم نعارضهما لأننا مثلهما ندرك أننا أصحاب الأرض وإذا تخلينا عنها سنصبح في الشتات كالفلسطينيين الذين ذاقوا الأمرين من ظلم اليهود».

استشهد شادي وفادي، علي وسامر جريحان في المستشفى، لم يبق إلا جعفر الذي كاد أن يلامس الموت، نفد الرصاص من بندقيته في منطقة تقدم فيها الإسرائيليون حتى العمق لم ير أمامه إلا بئر قديم، فتحه مع رفيقه ونزلا إلى داخله وأقفلا الغطاء فوقهما، كانت مياهه سوداء ضحلة كالمستنقع لها رائحة كريهة.

ظلا عائمين متمسكين بجوانب البئر جسداهما في الماء ورأساهما إلى الأعلى،«بقينا هكذا ثلاثة أيام دون طعام أو شراب يقول جعفر باستثناء اليوم الثالث عندما اضطررنا إلى شرب المياه الملوثة بعد أن كدنا نفقد قوانا بالمطلق، كانت أكثر اللحظات صعوبة وحرجا عندما يمر الإسرائيليون من فوق البئر، كنا نقطع أنفاسنا أثناءها ونشعر أنهم على همة ليرفعوا الغطاء لكن الله نجانا ولم يفعلوا.

وقد أثار فزعنا بشدة في أحد الليالي حمار شارد راح يضغط على غطاء البئر، ظننا أنهم الإسرائيليون استرقنا النظر فإذا به حمار هارب أبعدناه بأيدينا ثم عدنا للاختباء... أيام ثلاثة مرت علينا كأعوام بحالها، اعتقدت أن أشقائي كلهم استشهدوا لكني فرحت عندما وجدت سامر حيا في المستشفى ورأيت أمي وأفراد عائلتي سالمين، لكني لا أزال أتطلع إلى اليوم الذي سأنتقم فيه لشهيدينا شادي وفادي».

جنوب لبنان ـ ثناء عطوي