في ذلك الصباح الأخير وتحت طائرات تحوم في السماء، غادرت تمام حمدون منزلها وسط بلدة فرون الجنوبية سيرا على الأقدام لتعبر نهر الليطاني نحو الضفة الأخرى، خرجت وهي تحمل سنين عمرها السبعين المثقلة بالأوجاع والحروب، علّقت مسبحة الصلاة في رقبتها ووضعت صورة محمد ابنها الذي استشهد عام 1985 في عملية جبل الباروك الشهيرة ضد الإسرائيليين ومضت، كانت الصواريخ قد وصلت إلى أعتاب حي الجامع.
حيث تسكن وأسقطت مباني مجاورة، مشت حمدون لأكثر من ساعتين في الأودية المنحدرة مع قريبتيها تتلطى بالأشجار و طائرات الاستطلاع فوق رؤوسهن تخطف أنفاس كل ما يتحرك في الأسفل، خارت قوى سعدى فلم تعد تقوى على متابعة الطريق، جلست النسوة الثلاث على طريق في أعلى النهر وأدّين صلاتهن مجتمعات ثم ذهبت كل منهن في طريق.
كان ذلك قبل يوم واحد من هدنة الثمانية وأربعين ساعة التي قررتها إسرائيل، كانت زينب ابنة تمام قد رحلت قبل أيام مع شقيقها حسن وزوجته وأطفاله، قطعوا جميعهم وادي الليطاني في رحلة مخيفة استمرت خمس ساعات ووصلوا بعدها منهكين وعطشى وأجساد أطفالهم مدماة من شوك الأحراج الذي علق بثيابهم، توسلوا والدتهم الحاجة تمام أن تذهب برفقتهم فرفضت وأصرت على البقاء في قريتها التي لم تغادرها في أي حرب من الحروب السابقة، جمعت معهم ثياب السفر واستخارت لهم في القرآن كي يذهبوا بأمان وودعتهم بغصة ودمع.
مضت الأيام ثقيلة ومخيفة، فرغت البلدة إلا من بعض المقاتلين، اقترب الإسرائيليون من فرون أكثر وصار القصف يطاول تدريجيا كل المنازل، قررت تمام وقريبتيها الخروج من القرية كما روت حياة الخليل لـ «البيان» :
«صوبنا وجوهنا نحو القبلة ومشينا أنا ووالدتي والحاجة تمام، بعد ساعتين من السير في قيظ الظهيرة سقطت أمي أرضا ولم تتمكن من الوقوف ثانية، قررت الحاجة تمام أن تمضي وحدها، دعوتها للبقاء إلى جانبنا فرفضت وأنا بدوري رفضت أن أترك والدتي تموت من الجوع والمرض، نزلت الحاجة تمام إلى عمق الوادي وأنا أراقبها ثم ما لبثت أن اختفت في ظل الأشجار قبل أن يشتد القصف.
ويستهدف المنطقة التي وصلت إليها، شعرت أن مكروها أصابها وسلمت بقدرته ومشيأته، نمت أنا وأمي إلى جانب الطريق مستظلين بشجرة زيتون ليومين من دون طعام ولا ماء، كانت المنطقة مقطوعة عن كل شيء، فكرت أننا لن نموت هكذا، حزمت عباءتي وقررت العودة نحو القرية لأجلب الطعام والماء، وأحد الشبان ليساعدني على حملها والعودة نحو الديار، وصلت إلى القرية فلم أعثر على أحد.
حملت ما تيسر من الطعام والأدوية وعدت سيرا تحت هدير الطائرات وأنا متيقنة أنني لن أصل مجددا، كانت أمي تحدق خائفة لتعثر على خيالي من بعيد، لم تصدق أنني عدت. قبلت يدي و شربت الماء بكثرة ثم زحفت نحو صخرة إلى جانب الطريق، بقينا حتى اليوم الثالث هناك، هدأ القصف قليلا فعدت أدراجي إلى القرية علني أجد أحدا يساعدنا، عثرت على أحد شباب المقاومة طلبت منه النزول معي لإنقاذ أمي، لم يتردد أبدا..
طلب مني البقاء إذا كنت خائفة من العودة فرفضت وقلت له سأكون شهيدة معك، صعدنا في سيارته ونزلنا بهدوء نحو النهر، حمل أمي ووضعها في السيارة وعاد بنا نحو البلدة، كان عملا بطوليا وشهما، وضعنا أمام المنزل وطلب منا الدعاء للمقاومين بالنصر.. لم يمض يومان إلا واستشهد حسين مع رفيقه جهاد المقداد في غارة على المنزل الذي كانا يختبئان فيه».
انتهت الحرب وعاد الجميع ما عدا الحاجة تمام التي فقد أولادها كل اتصال معها أثناء الحرب كما يقول ابنها حسن، أسبوعان والبحث مستمر و«الأمل كبير لدينا بالعثور عليها حية في مكان ما، لم يكن لدينا أي دليل على وجودها في منطقة بحثنا سوى راعي الماشية الذي أخبر فرق الدفاع المدني والجيش أنه رآها آخر مرة عند الخامسة عصرا جالسة قرب النهر حافية القدمين وقد فقدت نظارتيها، طلبت منه ماء فأعطاها قنينة مليئة وعرض عليها مرافقته والعودة إلى البلدة فرفضت قائلة اتركني يا بني سأموت هنا».
بالأمس فقط عثرت فرق الجيش اللبناني والدفاع المدني على جثة الحاجة تمام، لم يحتمل حسن قسمات أمه المهشمة، سقط أرضا من هول ما أصبح عليه جسد تلك المرأة التي قيل إن الحيوانات افترستها، كانت الصواريخ قد استهدفتها مباشرة فعلق جسدها بجب شوك كبير، لم يكن أحد سيعرفها لولا ثيابها، تقول سحر زوجة حسن: لم يبق شيء منها إلا عظام حوضها وشعرها، كانت مشوهة إلى حد كبير.
تبكي ابنتها زينب بحرقة لمنعها من إلقاء نظرة أخيرة على أمها ، تتندم لأنها لم تكن معها في تلك اللحظات المخيفة، تقول: ألحت علي مغادرة القرية قائلة إذا دخل الإسرائيليون فلن يرحموا أحدا، سيرتكبون كل المحرمات نحن عجائز لن يفعلوا شيئا بنا أما أنتم فنسوة في عز الصبا سيتعرضون لكم وسيقتلون الشباب ويسوقوهم للأسر، اذهبي يا زينب مع أخيك حسن فكفاني شهيد واحد وأحزان كثيرة... طمئنوني عنكم وأنا سأكون بخير.
بيروت ـ ثناء عطوي
