اعتاد عاطف عبدالرحمن قيادة الحافلة الصغيرة في شوارع العاصمة السودانية الخرطوم بثقة كبيرة لدرجة أنه لا يعبأ أحيانا بالنظر إلى الطريق. وعندما تعرضت العاصمة السودانية الخرطوم لهطول أمطار غزيرة خلال الأيام الماضية كان عبدالرحمن يقود حافلته مستخدما احدى ذراعيه لتنظيف الزجاج من بخار وقطرات المياه والاخرى لتوجيه السيارة.

ولم تكن كل هذه الأمور تشكل أي أهمية بالنسبة لعاطف عبدالرحمن ولكنه بدأ يشعر بالتوتر بعد أن اتجهت أسعار البنزين نحو الارتفاع. ففي منتصف أغسطس الماضي أعلنت الحكومة السودانية أن العجز الكبير في الموازنة اضطرها لخفض الدعم الذي تقدمه للوقود والسكر وهو ما يعني ارتفاع أسعار السلعتين الرئيسيتين في السودان بشكل أساسي ثم ارتفاع أسعار باقي السلع والخدمات بالتبعية.

وارتفع سعر السولار بنسبة 30 في المئة في حين ارتفع سعر البنزين بنسبة 18 في المئة. وبالفعل بدأت أصوات السودانيين تتعالى بالشكوى من عجزهم عن تلبية احتياجاتهم الضرورية نتيجة ارتفاع الأسعار. وقال عاطف عبدالرحمن إن الناس هنا لها ميزانيتها أيضا ولا تستطيع أن تتحمل العجز المتزايد في هذه الميزانية نتيجة ارتفاع الأسعار وثبات الدخل.

وكان قرار زيادة أسعار الوقود والسكر فجر سلسلة من المظاهرات الاحتجاجية في العديد من المدن السودانية خلال الأيام الماضية حيث تصدت لها الشرطة بالقوة في أغلب الأحيان. وتقول مريم المهدي المتحدثة باسم حزب الأمة المعارض إن السودانيين كافة يعارضون هذه الزيادة في الأسعار. وهي ليست دستورية كما أنها ليست منطقية ولا مبررة وتأتي في توقيت خطير للغاية.

المعروف أن شهر رمضان المعظم على الأبواب حيث يستغل أغلب السودانيين الشهر الكريم للسفر إلى مسقط رأسهم في مختلف أنحاء السودان وقد يجد الكثيرون من السودانيين صعوبة في القيام بهذه الرحلة بعد الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود.

كما أن زيادة أسعار السكر بنسبة 20 في المئة شكل صفعة أخرى للسودانيين الذين يستهلكون كميات كبيرة منه خلال شهر رمضان حيث اعتادت الأسر السودانية على اشتراك أسرتين أو ثلاث في شراء سكر بوزن 50 كيلوجراما لتغطية الاستهلاك خلال رمضان.

والمفارقة الغريبة هنا هي أن أسعار الوقود في السودان تتجه نحو الصعود في الوقت الذي دخل فيه السودان نادي الدول المصدرة للنفط وهو ما يزيد من شعور السودانيين بالسخط والغضب. فعلى الرغم من بدء استخراج وتصدير كميات كبيرة من النفط من حقول في جنوب السودان عقب انتهاء الحرب الأهلية في الجنوب فإن عامة الشعب السوداني لم يشعرون بمردود إيجابي لبدء استغلال هذه الثروة النفطية.

ويقول عاطف عبدالرحمن إن الأزمة الحقيقية في السودان هي أزمة سياسية لان الحكومة في الخرطوم تنفق 70 في المئة من الميزانية العامة على الجيش في حين لا تنفق أكثر من واحد في المئة على التعليم. وبعد ارتفاع أسعار الوقود ارتفعت أسعار المواصلات العامة بنسبة أربعة في المئة تقريبا.

ورغم أن هذه الزيادة الجديدة قد لا تبدو كبيرة للغاية فإنها تمثل عبئا جديدا على الفقراء السودانيين الذين يستخدمون هذه المواصلات. ويقول أحد التلاميذ إنه اضطر إلى خفض الوجبة التي يتناولها في المدرسة كل يوم من أجل توفير أجرة التنقل. وفي كل الأحوال فإن الطبقات الفقيرة والتي تشكل غالبية سكان السودان هي التي ستدفع الجانب الأكبر من ثمن خفض العجز في الموازنة العامة.

(د ب أ)