يعترف النائب العام في السلطة الفلسطينية احمد المغني بوجود 4500 مجرم فالت من العقاب في الضفة والقطاع. ويعترف أيضا أن أكثر من 200 فلسطيني قتلوا هذا العام على أيدي فلسطينيين، وان مؤسسة للأحداث في غزة أطلقت 23 سجينا، بينهم اثنان متهمان في جريمتي قتل، لعدم قدرتها على توفير الغذاء لهم.
ويذهب النائب العام ابعد بالقول ليوضح أن «الأجهزة الأمنية عاجزة عن جلب المجرمين الفالتين الذين صدرت بحقهم مذكرات جلب وتوقيف لأنها ضعيفة، أو لأن المجرمين ينتمون إلى ميليشيات أو عائلات أكثر قوة». ويذهب ابعد وابعد من ذلك، حينما يصف أجهزة الأمن بـ «حاميها حراميها». وان «القانون في فلسطين يطبق على الضعفاء فقط».
وبدأت قوة وهيبة السلطة الفلسطينية في التراجع والتضاؤل منذ اندلاع الانتفاضة في سبتمبر 2000، لمصلحة القوى ثم رويدا رويدا العائلات والميليشيات التي تحول بعضها إلى ميليشيات منظمة أو شبه منظمة. وزاد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة من قوة الفصائل والعائلات المسلحة، التي وجدت في ذلك فرصة للتسابق على توسيع وتعزيز قدراتها العسكرية.
وقد أبدى كثيرون تحمسا لإجراء الانتخابات التشريعية التي رأوا فيها وسيلة مثلى لتجديد شرعية السلطة بعد التراجع الذي شهدته مكانة القائمين عليها، جراء تورط عدد كبير منهم في قضايا فساد مكشوفة، لكن المفاجأة التي حملتها هذه الانتخابات بالفوز الساحق لحركة «حماس» أدت إلى نتائج معاكسة.
فمن جهة سارعت إسرائيل والمجتمع الدولي إلى فرض حصار مالي وسياسي على حكومة «حماس»، تركها عاجزة حتى عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الاستمرار لهذه السلطة مثل المصاريف الجارية ورواتب الموظفين. ومن جهة ثانية شرعت حركة «فتح» في اتخاذ مواقف وخطوات من شأنها إعاقة عمل الحكومة الجديدة، التي رأت فيها «احتلالا» لمواقعها في النظام السياسي الفلسطيني الحديث الذي ارتبط باسمها منذ إنشائه.
وجاءت إدارة «حماس» للسلطة، وما اتسمت به من حزبية اعتبرها البعض تكرارا لتجربة «فتح» الفاشلة في الإدارة، لتشكل ضربة قوية أخرى لهياكل السلطة المتداعية. فعملت «حماس» على احتكار السلطة، مستغلة الغالبية البرلمانية المطلقة التي حصلت عليها، وشرعت في إجراء تغيرات إدارية تكرس نفوذها في المؤسسات المدنية والعسكرية على السواء، وهو ما فاقم التوتر مع حركة «فتح» وقلَّص من ثقة الجمهور في الحركة وفي إدارتها.
وقال النائب جميل مجدلاوي رئيس كتلة «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في البرلمان: «للأسف، أن الحكومة الجديدة (حكومة حماس) لا تختلف عن سابقاتها (حكومات فتح)، فقد عملت على تحويل الوظيفة العمومية إلى وظيفة حزبية، وأخذت تحول أعضاءها إلى موظفين في الجهاز الحكومي».
وأضاف «وفي المظاهر اليومية فان أداء حكومة حماس لا يختلف عن أداء حكومات فتح، وعلى سبيل المثال فان موكب وزير الداخلية من حماس لا يختلف عن موكب محمد دحلان وموسى عرفات (قادة الأمن السابقين) عندما كانا في أوج قوتهم».
وزجت «حماس» بالآلاف من أعضائها في الجهاز الوظيفي للسلطة، وهو ما شكّل عبئا إضافيا على هذا الجهاز المتضخم أصلا. وكانت الدول المانحة أوقفت دعمها للحكومة قبل الانتخابات على خلفية قيام حكومة احمد قريع بالخروج عن الميزانية الحكومية للتوظيف.
وفي الشق الثاني للسلطة، الرئاسة، لا تحدث الإجراءات والقرارات التي يتخذها رئيس السلطة محمود عباس (أبومازن) فارقا عن تلك التي تتخذها الحكومة. ويتحدث الكثيرون في «فتح» عن ميل الرئيس لعدم اتخاذ قرارات صعبة وحاسمة من القضايا الصعبة المطروحة أمامه. ويجمع الكثيرون على الحاجة لإعادة بناء مؤسسة الرئاسة من جديد.
وأمام عجز السلطة، بشقيها الحكومة والرئاسة، بدأت تطفو على السطح تعبيرات أزمة اجتماعية حادة يُرجح كثيرون أن تقود إلى انفجارات عنيفة مقبلة. ففي غزة والضفة بدأت سلسلة اضرابات واضطرابات اجتماعية بسبب عدم تلقي الموظفين رواتبهم، لا يعرف احد إلى أين ستنتهي.
وحتى الآن تواجه «حماس» التطورات التي أعقبت فوزها في الانتخابات بتردد وحيرة ظاهرين. وقال مسؤول في الحركة فضل عدم ذكر اسمه: «ربما نكون قد أخطأنا عندما أقدمنا على تشكيل الحكومة، كان علينا أن ندرك أن إسرائيل وحلفاءها في الإدارة الأميركية والغرب لن يسمحوا لتجربتنا أن تنجح من دون شروط، أما وقد شكلنا الحكومة فليس سهلا علينا ان نقول لجمهورنا: لقد جربنا وفشلنا، وها نحن نتنحى جانبا لنسمح لغيرنا بإدارة الدفة».
رام الله ـ محمد إبراهيم