مضى عام على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، من دون أن تتغير طبيعة الاحتلال ورغبته في تكدير حياةالفلسطينيين حيث يتواصل الاجتياح والحصار والغارات الجوية والاغتيالات.

في يوم 12 سبتمبر من العام الماضي أشرقت شمس الحرية بين أزقة غزة وشوارعها، و تبددت غيوم الاحتلال السوداء، ونشرت الأمل في أن يعود الهواء نظيفا من دون أن يلوثه غبار الدبابات .

واليوم، تتكرر مشاهد الاحتلال: الاعتقال، إعادة تموضع، اقتحام، خروج، دخول، عربدة، اغتيالات.....هذه حال سكان قطاع غزة وهذه مادة حياتهم اليومية. في الذكرى السنوية الأولى لتحرير القطاع من دنس الاحتلال المباشر نزلت »البيان« إلى الشارع والتقطت ردود الفعل التالية ...

في البداية يقول أستاذ في كلية الآداب بجامعة الأزهر في غزة »أنا أتمنى على السلطة الفلسطينية أن تحل نفسها وأن تغادر إلى حيث أتت لأنها بذلك ستريح الشعب الفلسطيني وستقلل أكثر من 80% من خسائر هذا الشعب الذي كبلته السلطة المزعومة بقيود أقعدته عن أية مقاومة وقدمته مكبلا مقيدا على طبق ساخن لطائرات ودبابات وجيوش إسرائيل تدمره وتقتله بالجملة وبالتقسيط «.

ويقول نضال العرابي (اختصاصي نفسي- 27 عاما) إن الانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة انعكس سلبا على واقع الحياة اليومية للمواطن الفلسطيني. فللأسف، تدهور الأمن مقارنة بمرحلة ما قبل الانسحاب وصرنا نعاني انفلاتا أمنيا حقيقيا حيث أصبح حتى رجل الأمن المكلف بالسهر على ضمان أمن المواطنين يخشى على نفسه.

فكيف ينتظر منه توفير الأمن في ظل هذا الوضع؟ وبالمثل، ساءت الأوضاع الاقتصادية. الطبقة العمالية التي كانت تعمل داخل إسرائيل قبل رحيل الاحتلال دمرت حياتها تماما حيث لم يعد العامل الفلسطيني قادرا على تأمين قوت يومه.

بالنسبة إلى الرعاية الصحية، فإن المرضى الذين كانوا يتلقون العلاج في بعض الدول العربية مثل مصر، أصبحوا غير قادرين على السفر بسبب الإغلاق المتكرر لمعبر رفح. وبعضهم قضوا نحبهم خلف جدران بيوتهم في حين توفي آخرون عند معبر رفح وهم ينتظرون السماح لهم بالعبور. كما يعاني المرضى في الداخل من نقص الأدوية.

بعد رحيل الاحتلال، زادت وتيرة هدم بيوت المواطنين الفلسطينيين من قبل القوات الإسرائيلية مما أدى إلى تشريد عائلات بأكملها. من جهة أخرى، أصبحت الحياة منذ أن استلمت حركة»حماس« زمام السلطة أكثر صعوبة، فانقطاع الرواتب أثار أزمة ماثلة. وقال حامد العطاونه موظف بدرجة مدير في السلطة الفلسطينية: لم أستلم راتبي كاملا منذ ثلاثة شهور.

ولم يزد ما استلمته لحد الآن عن ربع راتبي مما يجعلنا نضطر للاقتراض من بعض الأصدقاء الذين يستلمون رواتبهم كاملة لأن معظمهم من العاملين في التجارة والأعمال الحرة وأحيانا، نلجأ إلى الاقتراض من بعض المحلات التجارية، علما أن متطلبات الحياة اليومية تزداد غلاء يوما بعد يوم. وحذر من انه إذا استمر الوضع الاقتصادي على ما هو عليه، فحتما ستكون النتيجة كارثة اجتماعية يصعب السيطرة عليها.

واعتبر الموظف أن المشكلة تكمن في انتخاب »حماس« التي لا تزال تمارس العمل الحكومي بعقلية المعارضة ولا تلتزم بمفهوم حكومة منتخبة من واجباتها السهر على تحسين حياة المواطنين وتوفير الخدمات لهم. يقول»حماس تفتقر إلى رؤية مستقبلية واضحة. أرى أن الحل يتمثل في تعزيز عامل الثقة بين إسرائيل والفلسطينيين وعقد مؤتمر دولي باتجاه بناء السلام المفقود.«

المواطن محمد فياض مدينة غزة (21 عاما ) قال رغم أن حياتي الآن تسير نحو الأفضل منذ أن انتهى الاحتلال الإسرائيلي، لكن المعاناة لا تزال تمتد إلى نواح أخرى من الحياة اليومية.

أثناء الاحتلال، كنت أضطر لمغادرة بيتي ساعتين قبل موعد ذهابي لجامعة الأقصى التي تبعد حوالي 10 كيلومترات عن منزلي للمرور من معبر هولي الذي أقامه الجيش الإسرائيلي داخل القطاع. قبل رحيل الاحتلال، كنت معتادا على مشهد المستوطنات الإسرائيلية في وسط شارع صلاح الدين الذي يمتد من شمال القطاع إلى جنوبه.

وأضاف : برحيل الاحتلال، توقعت تعمير المناطق التي أخليت منها المستوطنات، من خلال إقامة مشاريع للشباب في القطاع الذي ترتفع فيه نسبة البطالة، لكن ذلك لم يحدث أبدا.

أما لمى الحوراني (42 عاما) الموظفة في منظمة غير حكومية في غزة فقالت: التحسن الوحيد الذي طرأ على حياتنا هو سهولة التنقل في أرجاء غزة مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا.

منذ عام كان رأيي ولا يزال بان رحيل قوات الاحتلال لا يمكن اعتباره انسحابا وإنما إعادة انتشار لتلك القوات لانه وببساطة فمنذ ذلك التاريخ والى اليوم تستمر الطائرات الحربية الإسرائيلية في التحليق في سماء غزة محدثة أصوات تصم الآذان لأنها تفوق سرعة الصوت.

وقال الصحافي هاني حبيب، إن إسرائيل لا تزال تمارس سيطرتها على جميع نواحي حياة سكان القطاع حيث لا تزال العمليات العسكرية الإسرائيلية مستمرة منذ 28 يونيو وتفرض إسرائيل حصاراً محكماً على القطاع، ولاسيما إقفال معبر رفح. وقال يبدو القطاع كسجن كبير يستحيل الخروج منه أو الدخول إليه بدون الحصول على موافقة الإسرائيليين .

وقال إبراهيم عبد الله (27عاما) مواطن في حي الرمال وسط مدينة غزة: لقد مر عام على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وكما تعلمون كان مغتصبا لاغني المناطق الزراعية والسياحية على الساحل في غزة ولكن رحل الاحتلال عن الأرض ولم يتركنا مرة واحدة ننعم بالهدوء.

وحسب إحصائية سريعة يمكن التأكيد على أن إسرائيل التي انسحبت من القطاع لم تتركه لحظة واحدة فلسطينيا خالصا فقامت بتنفيذ 22 عملية اجتياح واقتحام لعدة مناطق منه.

كما قامت بـ 95 عملية قصف جوية، وإطلاق ما يزيد على 12 ألف قذيفة مدفعية على مناطق في القطاع بعضها سكني وبعضها الآخر أراض زراعية أو حدودية فارغة. وقد استشهد نتيجة لهذا العدوان المتواصل من قبل قوات الاحتلال ما يقارب من 300 فلسطيني كما وجرح قرابة2000 مواطن فلسطيني جزء كبير منهم من الأطفال والنساء.

غزة ــ ماهر إبراهيم: