يحيط بهجمات الحادي عشر من سبتمبر التي تحل ذكراها الخامسة اليوم الأحد، قدرا كبيرا من الغموض، لم يستطع احد فك طلاسمه بعد، رغم مضي كل هذه السنوات، لاسيما وان الأبطال الحقيقيين للحدث ـ أي الذين نفذوا الهجمات ـ غير موجودين الآن، حيث احترقت أجسادهم في نيران عاصفة الطائرات التي اختطفوها ووجهوها إلى مراكز القوة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأميركية.

يضاف إلى ذلك ان الرؤوس الكبيرة ـ زعماء القاعدة ـ التي أدارت عن بعد، ما تسميه «غزوتي وواشنطن ومنهاتن» يعيشون دائما في الخفاء.. تلمس أفعالهم من دون ان تشعر بهم.. تدرك وجودهم من دون ان تراهم، وفى أكثر الأوقات تفاؤلا، تسمعهم في رسائل صوتية، ما يجعل المنقول عنهم عرضة للشك ،أو انه أضيف إليه بعض البهارات التي توظف لأسباب سياسية، أو لإدانة فكر يراد له ان يشكل غطاء لعدو وهمي، يتم استخدامه من اجل تحقيق أهداف اكبر، تتمثل في وضع رقاب أمة بكاملها، تحت حد سكين التطرف والتشدد.

لكن الثابت والواضح في كل هذا، هو ان عاصفة الطائرات التي هبت في مثل هذا اليوم قبل خمس سنوات، غيرت مجرى التاريخ، وهذه العبارة ليست تعبيرا مجازيا، لكنها توصيف دقيق لعالم ما بعد 11/9، الذي تغير وبشكل جذري لسنوات وربما لعقود كثيرة مقبلة.

وأول ما طرأ من تغيير هو دور الولايات المتحدة الذي اختلف عما كان عليه الحال قبل 11 سبتمبر، اذ كانت أميركا قبل الهجمات إمبراطورية قوية تعلي من شأن التحالفات الدولية والاقليمية لخدمة مشروعها في الهيمنة والسيطرة على العالم، وتقدر قيمة الحوار مع الأطراف الدولية الأخرى، وتلجأ إلى الأمم المتحدة لانتزاع الشرعية لما تقوم به.

وتضع حدودا لتدخلاتها على الأقل الظاهرة منها، لكن بعد الهجمات صارت «إمبراطورية بلا ضوابط» تعلي من شأن القوة العسكرية وتضع الحروب الاستباقية في مقدمة أجندتها، وتضرب بعرض الحائط بالشرعية الدولية بل وتهمش دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وأصبح شعارها «من ليس معنا فهو ضدنا»®. شعار لا تستطيع ان تقبله وتتعرض للعقاب اذا رفضته.

بعد الهجمات أصبح العالم مرصعا بالجنون ،وصارت الشهية الأميركية مفتوحة للانتقام من كل شيء، من العدو ومن الصديق ومن الحليف.. لم تعد حدود السيادة تمنعها عن فعل شيء، ولم تعد حدود الصداقة تردعها عن القيام بما تريد.. صارت تتدخل في كل شيء في العالم العربي والإسلامي على وجه الخصوص.. تحدد نظمه السياسية وأنماطه السلوكية مناهجه التعليمية، بل وتتدخل ل«تعديل» معتقداته الدينية، وتثور غضبا اذ تعرضت هذه الدول لملحد أو مرتد رافعة شعار «نفذوا ما نريد منكم».

في كتابه «العرب وعالم ما بعد 11 سبتمبر» يقول المفكر السوري الدكتور برهان غليون، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس ان «هجمات الحادي عشر من سبتمبر بوصفها حدثاً، تشكل نقطة تحول في تاريخ العلاقات الدولية، وربما في تاريخ النظم السياسية ذاتها».

ويرى أن «هذا الحدث قطع الطريق على نشوء عالم متعدد الأقطاب، وفتح طريقاً آخر لطفرة حقيقية في حقل العلاقات الدولية، جعلت من كلمة إمبراطورية الاسم الجديد للولايات المتحدة الأميركية ،كما تجدد الرهان التقليدي على الدولة ودورها المركزي في حياة المجتمعات واستقرارها بعد أن قفزت الترتيبات الأمنية إلى مقدمة الأولويات السياسية الوطنية والعالمية، وأسوأ ما نجم عن هذا التحول وارتبط به، هو تراجع معايير الديمقراطية، وتدهور ممارستها في العديد من البلدان المركزية».

ورغم انه يقول ان «الإدارة الأميركية لم تكن بحاجة لهجوم سبتمبر حتى يتبلور لديها شعور عميق بشرعية فرض إرادتها على العالم»، إلا انه عاد وأكد على ان «الهجمات قدمت للإدارة الأميركية فرصة لا تعوّض، كي تفرض نفسها على العالم، لذلك أرادت لحربها على العراق عام 2003 أن تكون مناسبة لوضع أسس النظام الدولي الجديد، أي لفرض قاعدة الخضوع لإرادة الولايات المتحدة القوية، والقبول بما تقرره من أهداف وترتيبات».

فرض قاعدة الخضوع لإرادة الولايات المتحدة، أصبح بالفعل من أهم أسس النظام العالمي الجديد بعد الهجمات، وأضحى تعبير «كلنا أميركيون» الذي أطلقه جان ماري كولومباني مدير صحيفة «لوموند» الفرنسية الشهيرة في أعقاب الهجمات، معبرا إلى حد كبير عن الوضع العالمي الذي تشكل لتوه.

والذي لم يكن احد يتخيل ان يكون على هذا النحو من الجنون والسيولة والفوضى والتداخل بين المفاهيم والتحول السريع في المواقف والمبادئ التي تتحكم في سلوكيات الدول وكذلك سياساتها، التي أضحت بوصلتها موجهة نحو أميركا، اما تسليما بزعامتها المتفردة للعالم، أو خوفا من بطش قوتها العسكرية الهائلة.

لم يكن احد يتصور ان تكون ألمانيا، تلك الدولة الأوروبية الفريدة في سياستها والمعتزة بكرامتها، مجرد »مرشد » للولايات المتحدة في الحرب على العراق، وفق ما كشف عن ذلك تلفزيون «إن دي آر» الألماني يوم 21/1/2006، حيث قال إن «اثنين من ضباط المخابرات الألمانية كانا في العراق أثناء غزوه واحتلاله عام 2003، قد ساعدا القاذفات الأميركية في تحديد وقصف هدف كان يعتقد أن الرئيس السابق صدام حسين موجود فيه، في السابع من أبريل 2003 وهى الغارة التي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 12 مدنيا عراقيا».

لم يكن احد يتصور أيضاً، ان تضرب الولايات المتحدة عرض الحائط بكل الروابط القوية مع البلدان الأوروبية، وتنتهك سيادتها ومجالها الجوي في نقل أشخاص مشتبه بتورطهم بالإرهاب اعتقلتهم وأوكلت مهمة تعذيبهم إلى جلادين معروفين (دول) في العالم.

إذن الخطف والتعذيب وانتهاك سيادة الدول ،كان من الملامح المميزة للنظام العالمي الجديد الذي تشكل بعد هجمات سبتمبر، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، اذ تضاعفت مخاوف دول العالم من الشهية الأميركية المفتوحة للحروب، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في الإنفاق العالمي على التسلح، تحسبا لمواجهة قد تأتي في يوم من الأيام، مع الإمبراطورية الأعظم في العالم.

خالد سيد أحمد