حرص الرئيس الأميركي جورج بوش، على دعوة مجموعة من عائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر 2001 إلى البيت الأبيض الأربعاء الماضي، عند إلقائه أحد خطاباته عن الحرب ضد الإرهاب، وبدأه بالترحيب بهم وبالحضور قائلا: «أهلا بكم في البيت الأبيض..

أهلا بالعائلات التي فقدت أحبابا في الهجمات الإرهابية على بلدنا». وبرغم تعدد أهداف الرئيس من دعوته عائلات الضحايا، فإن الحقيقة التي لا تقبل الجدل، هي أن عائلات الضحايا كانت أول وأكثر من تضرر مباشرة من الهجمات ومأساتها، ولا يزال أفرادها يعانون من آثارها، وسيظلون إلى سنوات عدة مقبلة.

وربما سيظلون طوال حياتهم يعانون كوابيسها، وكان هذا سببا رئيسيا لدعوته العائلات ليظهر ويؤكد للأميركيين أن حكومته لم تنس ولن تنسى عائلات وأسر الضحايا، مع أن الهجمات كانت منعطفا أساسيا في تاريخ الولايات المتحدة، وأحدثت تغييرا وتأثيرا في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والفكرية والدينية في الولايات المتحدة.

فبعد خمس سنوات على وقوع الهجمات، لا تزال عائلات ضحاياها تعاني الكثير نتيجة«المأساة السوداء في التاريخ الأميركي»، حسب تعبير الرئيس بوش، وأن كل ما قامت به الحكومة الفيدرالية، والحكومات المحلية للولايات، من إجراءات وبرامج دعم ومساعدات وتعويضات مالية، لم تتمكن من التغلب عليها، ولن تتمكن من حلها، لأن«خسارة الأرواح البريئة لا تعوض»، كما قال رجل فقد زوجته في الهجوم على مقر وزارة الدفاع « البنتاغون».

كذلك فان تجاوز العائلات لمعاناتها وألمها، ليس سهلا إن لم يكن مستحيلا عند البعض، حسب قول علماء نفس وأطباء عالجوا خلال السنوات الخمس الماضية، العديد من الذين دمرت أرواحهم، وأصيبوا بأزمات وأمراض نفسية، قلبت حياتهم رأسا على عقب، فقد قالت لورا هيرلي التي فقدت زوجها البالغ من العمر 38 عاما، في هجمات نيويورك لـ «البيان» إن «حياتي بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لم تعد كما كانت من قبلها، فقد تحطم كل شيء في حياتي وحياة ابني الذي كان عمره 6 سنوات، وقت مقتل والده، والآن 11 سنة».

ولأهمية الموضوع وهول مأساته، أولت الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات، والمؤسسات الخيرية، اهتماما كبيرا لعائلات الضحايا، فبعد أيام من الهجمات، بدأت تنفيذ برامج فورية لمساعدتها، في مواجهة المشكلات الفورية، وتمثل أبرز شيء لمساعدتها في التعويضات المالية لكل عائلة فقدت واحدا من أفرادها في الهجمات، وكان متوسط ما تلقته كل عائلة نحو ثلاثة ملايين دولار.

ومما يسجل في سياق التعويضات، أن عددا من عائلات الضحايا، ظل لفترة لا يجرؤ على التقدم للجهات المسؤولة، لتقديم المعلومات عمن فقدوه من أفراد والتسجيل لتلقي التعويضات، خوفا من الترحيل عن البلاد، لأن الضحية والعائلة تقيم بصورة غير قانونية.

وبعدما طمأن المحامون تلك العائلات بأن تقدمها للمطالبة بالتعويض، لا يعني ترحيلها من البلاد، تقدمت بعد تردد، وحصلت على التعويضات، وأصبحت غنية بين عشية وضحاها، بعدما كانت طموحاتها، أن يستمر أفرادها في أعمالهم المضنية، وتوفير لقمة العيش من دون إثارة انتباه السلطات ودائرة الهجرة.

وبرغم الملايين التي حصلت عليها تلك العائلات، فإنها لا تزال تعيش في رعب وخوف، من الثروة التي حصلت عليها من جهة، ومن سلطات الهجرة من جهة ثانية. فهذه العائلات لكونها مقيمة بصورة غير قانونية، وبالتالي ليس لديها سجل ورقم للضمان الاجتماعي، فإنها لا تستطيع الاستفادة من الملايين التي حصلت عليها، فلا تقدر على بدء عمل مهما كان حجمه.

ولا تستطيع شراء منزل، أو افتتاح مصلحة تجارية،مهما كانت بسيطة، ولا تستطيع فتح حسابات مصرفية، أو تحويل الأموال ونقلها، خصوصا في ظل الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأميركية لمكافحة تمويل الإرهابيين، وتجفيف منابع تمويلهم، حيث أصبحت حركة نقل الأموال، لا من وإلى الولايات المتحدة فقط تخضع للمراقبة والرصد، بل في كل مكان تستطيع الوصول إليه.

وعائلات الضحايا لا تنحصر فقط بمن فقدت حبيبا زوجا أو زوجة، أو ابنا أو بنتا، بل تشمل الضحايا الأحياء وعائلاتهم، وهم رجال الإنقاذ والمطافئ الذين هبوا للإنقاذ، وعملوا خلال الساعات الثماني والأربعين عقب الهجمات.

فقد قتل من رجال الإنقاذ والمطافئ 343 فردا. وكانت التعويضات لعائلاتهم عن كل فرد أعلى من التعويضات عن كل فرد مدني قتل في الهجمات. أما الذين بقوا أحياء وقاموا بأعمال جعلت منهم أبطالا، فإن بعضهم أصيب بأمراض بسبب استنشاقهم مواد سامة، خصوصا من مادة الإسبست، وبعضهم أصيب بجروح بليغة أقعدته عن العمل مدى الحياة.

ومنهم من أصيب بأمراض وعلل نفسية، ويعيش كوابيس مفزعة من المناظر المروعة التي شاهدوها، مثل أشخاص يحترقون من دون أن يتمكنوا من تقديم المساعدة لهم، وأشخاص يرمون أنفسهم من نوافذ الطوابق الثمانين وأكثر، هربا من الموت حرقا. وقال بعض رجال الإنقاذ، إنهم أصبحوا ضحايا أحياء للهجمات، وباتوا يتعاملون مع زوجاتهم وأبنائهم بشكل غير عادي كما في السابق.

وقال مايكل بوزفيري قائد فرقة إطفاء من 52 فردا : إن المناظر التي شاهدها تفوق الخيال، ولا يمكن مقارنتها بأي شيء رآه في حياته، وإن كل ما كان يأمله هو وزملاؤه، العثور على أحياء لإنقاذهم، لكن ما قاموا به كان انتشال قطع جثث آدمية. ومناظر رعب مهولة. وقال إن مشكلته الآن بعد خمس سنوات على المأساة تكمن في إيجاد طريق للخلاص من الكوابيس التي تلازمه باستمرار.

وإن أكثر ما يؤلمه حتى اليوم، مناظر الأشخاص وهم يتدلون من النوافذ طالبين النجدة دون القدرة على مساعدتهم، ومناظر الأشخاص الذين رموا أنفسهم من نوافذ الطوابق العليا هربا من النيران «لنجمع أشلاءهم بعد لحظات».

واشنطن ـ محمد صادق: