بينما يسدل الستار على خمس سنوات مرت على المأساة الرهيبة لمركز التجارة العالمي، تفتح الصحافية آمي ديفيدسون في مجلة «نيويوركر» الاميركية نقاشا مهماً مع ثلاثة من أهم الصحافيين الأميركيين، هم: سيمور هيرش، وجون لي أنديرسون، وجورج بيكر، بشأن التبعات السياسية والاجتماعية والكونية لذلك الحدث، الذي ترك بصماته على الجميع، و الذي لا يزال فتيله مشتعلا يثير صراعات عدة.

تسأل ديفيدسون، هيرش قائلة: في مقالتك الأولى حول 11 سبتمبر، التي كتبتها بعد مرور بضعة أسابيع على ما جرى، استعرضت تعليقا لأحد قادة وكالة الاستخبارات المركزية «سي آي إيه» أكد فيه أن دائرة الاستخبارات لم تكن قد كونت معلومات راسخة عن الإرهابيين ومنظمتهم وتمويلهم وتخطيطهم، ليقول لاحقا: سنعرف يوما ما، لكن في هذه اللحظة لا نعرف شيئا. هل نحن على مقربة من ذلك اليوم؟

فيرد هيرش بالقول: لا، من وجهة نظري، لا. كما قال في حينها أيضا إن النقاش الأكبر يتركز في إذا ما كان قد مضى وقت طويل على التخطيط للعملية وإذا ما كانت عملية لخلية منفردة ونائمة. ثمة تحقيق يجري الآن في هذه المجموعات النائمة، التي تمثل الزمر الرئيسية للقاعدة، على طول البلاد. احتمالية أخرى هي أن الخاطفين التسعة عشر كانوا المعادل لفريق كرة سلة منفرد وصل إلى ربع النهائي.

واعتقاد عملاء ال«سي آي إيه» يميلون أكثر إلى الطرح الثاني. وأنا أعتقد، من جانبي، أن ذلك صحيح وأن الأفراد التسعة عشر، رغم جاهزيتهم، حالفهم الحظ أكثر من أي شيء آخر، وذلك جراء النقص في استعداداتنا. الحقيقة هي أننا لا نعرف، حتى في يومنا هذا، إلا القليل جدا عن استعدادات هذه المجموعة.

ـ ديفيدسون: لماذا؟

ـ لأن الرجال التسعة عشر أصبحوا من الأموات. على الرغم من كل عمليات الاعتقال التي تمت حتى الآن (خالد شيخ محمد وآخرون)، إلا أني أشك كثيرا بالمعلومات التي تم الحصول عليها من خلال التحقيقات.

فنتيجة لعمليات التعذيب المعتمدة على نطاق واسع في عمليات التحقيق، يضطر المستجوبون لابتكار قصص تجعلنا فرحين. وبالتالي، فإنه يصبح لدينا أكوام من المعلومات التي لا قيمة لها ولا تستحق إلا أن ترمى في سلة المهملات، إلى جانب بعض المعلومات الجيدة. رغم أننا مزودون بالمعلومات السيئة على نحو خاص. فليس لدينا صورة واضحة عما يجري.

ـ دعوني أوجه سؤالا لكم الثلاثة... كيف كانت قوة القاعدة قبل خمس سنوات؟ أين تم تشكيل فريق كرة السلة؟ ما هي قوة القاعدة الآن، وهل باتت أكبر منذ 11 سبتمبر أم أنها تمر في وضع أضعف؟

ـ جورج بيكر: أعتقد أنه نشأ وضع من التراخي منذ 11 سبتمبر والآن ثمة مجموعات صغيرة في أنحاء كثيرة من العالم تتبنى مستويات عدة للتعاون مع القاعدة، لكنها تعمل على حسابها، متبعة أهدافها الخاصة المحلية أو الإقليمية ومتماهية بالطبع مع التطلعات الكونية للقاعدة. أما إذا نظرنا لهذه الجماعة فقط من منظور قاعدتها المركزية في أفغانستان، فإننا نرى أنها لم تحقق أهدافها العملياتية.

إلا أنهم تمكنوا من نقل تجربتهم الدعائية إلى أي جماعة تريد ارتداء ألوانهم والانضمام إلى أيديولوجيتهم وتحقيق أهدافهم بنفسها. وكتاب رفيقنا لورنس رايت (برج يلوح في الأفق) يلمح إلى أن القاعدة جاءت على الأغلب نتيجة للتطلعات والرؤى الثابتة وغير القابلة للتصديق لرجل تمكن، في عقد التسعينات، من ضم أناس آخرين إلى رغباته وإلى قضيته.

ـ ديفدسون: هل تقصد أسامة بن لادن؟

ـ نعم.

* جون لي أندرسون: أنا أتفق مع ما يقوله جورج وسيمون. أعتقد أن القاعدة تمكنت من خلال هجمات 11 سبتمبر من توجيه ضربة دراماتيكية إلى درجة أنها افترضت بالنسبة للإسلاميين نجاحا منقطع النظير من خلال تفكيك دفاعات أكبر قوة عالمية وتحطيم صورتها التي لا تقهر، وذلك حث جماعات أخرى على منافستهم، سواء من وجهة نظر نفسية أم تكتيكية. وهذا يعني أن الفتيل قد اشتعل.

وبالتالي، فإنه لا يهم إذا ما كان تنظيم القاعدة أكثر قوة أو أقل مما كان عليه قبل الاعتداءات، ذلك أن تعرض الولايات المتحدة لهذه الضربة غير المنتظرة والمجهولة بحد ذاته كان رسالة قوية لبقية العالم. وهي رسالة ليست موجهة فقط لأنصار أسامة بن لادن أو الزرقاوي، وإنما أيضا لأنظمة كانت تحت السيطرة، قبل 11 سبتمبر، عن طريق قدراتنا العسكرية الخارقة، لكنها لم تعد تشعر الآن بأنها مهددة إلى ذلك الحد الذي كانت تشعر به سابقا.

وأعتقد أن حرب العراق قد ساهمت كثيرا في زيادة انتشار هذا الاعتقاد. بكلمات أخرى، فإن عجزنا عن القضاء على المتمردين في مكان مثل العراق قد باعد ذلك الشعور بأن أميركا لا تقهر.

ـ ديفدسون: لنتحدث عن العراق ولنبدأ بالسؤال عما إذا كان يتوجب علينا الإشارة إلى العراق الآن ونحن نناقش تركة 11 سبتمبر. ما هي علاقة العراق بهجمات 11 سبتمبر؟

ـ بيكر: الحرب على العراق كانت خطأ حقيقيا. والإدارة الأميركية بررت الحرب، بطريقة مباشرة، بالصلات المزعومة بين القاعدة وصدام حسين التي بولغ فيها إن لم نقل انها كانت مزيفة، وبطريقة غير مباشرة بالتلميح إلى أن هذا الطاغية البارز ونتيجة لإقصاؤه في العالم العربي بدأ يقدم الدعم للإرهابيين.

هذه الفكرة كانت مجردة للغاية، حيث مثلت إستراتيجية نظرية تحولت إلى تبرير عندما اختفت أسلحة الدمار الشامل. في هذه اللحظة، حاول الرئيس ونائب الرئيس ووزير الدفاع بناء وحدة متراصة حول موضوع العراق وذلك عن طرق ربطه بالتشدد الإسلامي. وهذا شكل نقطة الضعف الحقيقية.

ـ ديفدسون: هل بإمكانك يا جون لي أن تسهب في هذا الموضوع آخذين في الاعتبار أنك قضيت وقتا طويلا في العراق؟

ـ أنا أتفق مع طرح جورج حول كيفية بدء اشتعال الحرب والخيبة التي تلتها وفكرة أنه ليس للعراق وصدام حسين أي علاقة بالقاعدة.

ـ هيرش: بنهاية 2001، تعلمت الكثير من النقاش الذي كان دائرا في كنف الإدارة الأميركية حول ما كان يتوجب فعله حيال أفغانستان. فلقد كان هناك الكثير من الأشخاص الذين عارضوا الهجوم الجوي.

عارضوا ما كنا تبنيناه جميعا كخطوة لاحقة لهجمات 11 سبتمبر، أي غزو أفغانستان وتدخل الجيش. وهذا شكل بداية كل موضوع التعذيب في غوانتانامو واعتقال السجناء. كل هذه المسألة نوقشت قبل نهاية أكتوبر حين أذن الرئيس ببدء عمليات القصف. وأنا أيدت ذلك، لكني لم أوافق في الحالة العراقية.

ترجمة : باسل أبوحمدة

عن«نيويوركر»