ستجد لدى أبو عباس وهو تاجر سيارات من جنوب لبنان أجوبة جاهزة عن السؤال المصيري الذي طالما تسبب في انقسام بلده وهو هل يجب على لبنان أن ينأى بنفسه عن الصراع العربي الإسرائيلي، فهو يرى أن لبنان جزء لا يتجزأ من العالم العربي وأن الصراع مع إسرائيل أمر محتوم في ظل استمرار احتلال أراض عربية بل وجود إسرائيل.

وقال أبو عباس (30 عاما) وهو من أنصار حزب الله: «عندما أرى الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية يعانون يوميا.. يسقطون ضحايا العنصرية والدمار...أعتبر ذلك هجوما على البشرية كلها». ويعيش الرجل في ضواحي بيروت الجنوبية حيث استقر مئات الآلاف من الشيعة من الجنوب على مدى العقود الثلاثة الماضية وحيث توجد قاعدة عريضة موالية لجماعة حزب الله.

ويقول الشيعة إن قدرات حزب الله العسكرية ضرورية للدفاع عن لبنان ضد إسرائيل لكن الكثير يختلفون مع هذا الرأي في بلد طالما تشكلت فيه معالم الحياة السياسية من خلال الانقسامات الطائفية التي أفضت إلى حرب أهلية طويلة الأمد. ويشارك الكثير من الزعماء المسيحيين والسنة والدروز في ائتلاف يريد أن ينأى لبنان بنفسه عن أي صراع مع إسرائيل.

وفي ظل تدني مستوى معيشتهم وضعف تمثيلهم في النظام السياسي اللبناني القائم على أسس طائفية رغم عددهم الأخذ في التزايد يشعر الشيعة الآن بان قوتهم زادت نتيجة الحرب التي استمرت 34 يوما في شهري يوليو وأغسطس.

وحملت لافتات حزب الله شعارات منها: «نصر من عند الله» التي رفعت بطول شارع هادي نصرالله الذي سمي كذلك تيمنا باسم الابن البكر للامين العام لحزب الله حسن نصرالله الذي لقي حتفه وهو يقاتل الإسرائيليين في العام 1997.

وقال أبو عباس: «لا أستطيع أن أصف بالكلمات مدى تواضع وشجاعة وأمانة وإخلاص حسن نصرالله. انه في قلوب الناس»، إنها وجهة نظر تسمع مرارا ومرارا في المجتمع. لكن على بعد أقل من ثلاثة كيلومترات في حي الأشرفية الذي يغلب على سكانه المسيحيين تبدو الأجواء مختلفة إلى حد ما بعد الجولة الأحدث من الصراع مع إسرائيل.

وخلال الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت بين عامي 1975 و 1990 كان هذا الحي معقلا لميليشيات مسيحية يمينية لها وجهات نظر تختلف اختلافا جوهريا عن آراء حزب الله. وهون الكثير من هذه الميليشيات من شأن الهوية العربية للبنان مشددين على تأثير الفينيقيين ومنطقة حوض البحر المتوسط على التراث اللبناني.

ويرجع إلى حد بعيد قرار هذه الميليشيات حمل السلاح إلى وجود لاجئين فلسطينيين في لبنان كانوا يجرون البلاد إلى صراع مع إسرائيل. وتعاونت بعض هذه الميليشيات مع الإسرائيليين من منطلق مبدأ «عدو عدوي صديقي»،

لكنها فشلت في نهاية الأمر في فرض وجهة نظرها على البلد ككل أو حتى إقامة جيب تتوافر له مقومات البقاء في المنطقة التي يسيطرون عليها شمالي بيروت.لكن مسيحيي الأشرفية يبدون الآن تنوعا أكبر في الآراء الأمر الذي يبرز الانقسامات السياسية داخل المجتمع المسيحي وطموحاته التي صارت أكثر تواضعا.

ويتحالف نحو نصف السياسيين المسيحيين مع الفصيل المؤيد لقطاع الأعمال والمعارض لفكرة المواجهة مع إسرائيل الذي يهيمن على الحكومة لكن آخرين أيدوا العماد ميشال عون الذي تولى من قبل قيادة الجيش اللبناني وزعيم حزب التيار الوطني الحر المعارض الذي انحاز إلى صف حزب الله على أسس قومية.

لكن بعيدا عن الترويج لفكرة الانفصال أو الاعتماد على ميليشيا طائفية يقول بعض المسيحيين إنهم يفضلون تعزيز سلطة الحكومة. وقال آخرون إن حزب الله قاتل من أجل قضية عادلة وأظهر قوة عسكرية مثيرة للإعجاب ضد إسرائيل.

لكن طوني خوري وهو سائق في الخمسينات من عمره قال عن «لبنان يجب أن ينسحب من أي صراع وأن يكون محايدا. دول أكبر مثل مصر انسحبت ومصر يسكنها 70 مليونا... كلنا نؤيد الدولة.. دولة قوية وجيش قوي ولا نهتم بالأحزاب السياسية. حزب الله يجب أن يحل وينضم مقاتلوه إلى الجيش».

لكن حتى خوري حمل إسرائيل مسؤولية الحرب الأخيرة التي قتل فيها زهاء 1200 شخص في لبنان معظمهم مدنيون في القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي. وقال «ما علاقة حزب الله بجسر جونيه» في إشارة إلى جسر شمالي بيروت حيث لا وجود لحزب الله.

(رويترز)