للمرة الأولى منذ إعلان الرئيس الأميركي جورج بوش، الحرب على ما يسميه الإرهاب في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر قبل خمس سنوات، يتحدث بوش بكل هذه التفاصيل عن جهود الإدارة الأميركية في مواجهة هذا الإرهاب بما في ذلك الحديث عن الإطار القانوني لعمليات الاعتقال للمشتبه في تورطهم في مثل هذه الأنشطة.

فقد اعترف الرئيس الأميركي، وللمرة الأولى، بوجود سجون سرية تديرها وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي.آي.أيه» لاعتقال واستجواب الأعضاء البارزين في تنظيم «القاعدة» الذي يقوده أسامة بن لادن.

وكان بوش وأعضاء إدارته يرفضون الخوض في قضية السجون السرية علنا منذ كشفتها صحيفة «واشنطن بوست» في نوفمبر الماضي. ورغم ذلك فإنه يمكن القول إن الخطاب الأخير لبوش لم يقدم جديدا بالنسبة للمواطن الأميركي، الذي بدأ الشعور بالملل يتسلل إليه لطول الحرب ضد الإرهاب وعدم ظهور أمل في انتصار قريب يضمن له العودة إلى ممارسة حياته بشكل طبيعي.

فلم يكن ما قاله بوش أكثر من إعادة تغليف لنفس السلعة التي يروجها منذ خمس سنوات وهي إثارة مخاوف الأميركيين من خطر التطرف والإرهاب ثم استقطابهم بأن سياسته ستحقق لهم الأمن المنشود. وفي محاولة لتهدئة الانتقادات الموجهة للحرب التي تشنها بلاده على الإرهاب أعلن بوش عن إن 14 من كبار المشتبه في انتمائهم ل«القاعدة» نقلوا من سجون سرية ل«سي.آي.إيه» إلى معتقل غوانتانامو.

وأثارت السجون السرية للاستخبارت الأميركية ومعتقل غوانتانامو، حيث يحتجز المعتقلون إلى أجل غير مسمى، حالة من الغصب العالمي وتسببت في توجيه اتهامات للإدارة الأميركية بانتهاكات حقوق الإنسان وفي إقامة دعاوى قضائية ضد إدارة الرئيس الأميركي أمام المحاكم الأميركية. ودافع بوش عن سجن غوانتانامو قائلا إنه أنشئ فقط لاعتقال الإرهابيين الأكثر خطورة والذين يواصلون تشكيل تهديد للعالم.

ومن الواضح أن بوش حاول استغلال الذكرى الخامسة لهجمات سبتمبر، من أجل استعادة التفاف الشعب الأميركي حول سياسات إدارته خاصة في ظل التراجع الحاد لشعبيته وشعبية الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي ل«الكونغرس» في نوفمبر المقبل.

ولم يتضح بعد مدى تأثير خطاب بوش الأخير على الناخب وإن كان من المؤكد أن شريحة كبيرة من الأميركيين باتت غير راضية عن أسلوب إدارة الرئيس بوش للحرب ضد الإرهاب وللسياسة الخارجية الأميركية بشكل عام.

فعلى الرغم من النشاط الزائد للإدارة الأميركية على مختلف المستويات وفي كل أنحاء العالم، وتجاوزها في بعض الاحيان للقواعد القانونية الدولية في حربها ضد المتشددين، فإن تقرير وزارة الخارجية الأميركية نفسه عن أخطار الإرهاب العام الماضي أكد تنامي المخاطر الإرهابية في العالم.

وفي حين يقول بوش وأقطاب إدارته إن حربهم ضد المتطرفين على مدى السنوات الخمس الماضية هي التي حمت الأراضي الأميركية من أي هجمات جديدة طوال تلك السنوات، هناك أصوات تؤكد إن سياسات الرئيس بوش جعلت العالم أقل أمنا وجعلت الأميركي مطاردا طوال الوقت بعد تنامي مشاعر العداء والكراهية للأميركيين في العديد من مناطق العالم.

ورغم حرص الجمهوريين على استغلال ورقة الأمن القومي ومحاربة الإرهاب لتحقيق الفوز في الانتخابات المنتظرة فإن المراقبين يشككون في جدوى استخدام هذه الورقة، وبخاصة في ظل تدهور الأوضاع الأمنية للقوات الأميركية في العراق وأفغانستان، والتقارير التي تقول إن الحرب التي شنتها أميركا ضد العراق في مارس 2003 أدت إلى انتشار التطرف والتشدد في العديد من مناطق العالم الاسلامي وليس العكس.

(د ب أ)