مجدداً قانا شاهدة وشهيدة فهي لم تكد تغسل حزنها المتأتي بفعل عناقيد الغضب الإسرائيلي في أبريل من العام 1996 وتلملم أشلاء أطفالها تحت خيمة «يونيفيل» في المجزرة الأولى التي أودت بحياة 105 شهداء من أطفال ونساء وشيوخ البلدة وقرى الجوار ظنوا أن خيمة قوات حفظ السلام الدولية في البلدة تقيهم شر الموت الإسرائيلي، وأصبح السلام والأمن المنشود في هذه الخيمة التي كان يرفرف فوقها علم الأمم المتحدة تحولت إلى مدفن جماعي هز معه ضمير العالم والإنسانية.

ولم تكد الأمهات في قانا يخلعن ثياب الحداد لتعاود إسرائيل الكرة مرة أخرى في هذه البلدة فتحيل أجساد الأطفال إلى حقل رماية لأسلحتها الذكية المحرمة دولياً والمسموحة أميركياً، لتغدو قانا في موعد مع مجزرة جديدة أطفالها الشهداء وبصور وجوههم المضمخة بالدماء يعودون ليحتلوا واجهة الأحداث في العالم ويميطوا اللثام باستشهادهم عن الوجه الحقيقي لإسرائيل كأنموذج لإرهاب الدولة المنظم.

ومن بوابة صور الجنوبية تدخل إلى قانا مروراً ببلدة الحوش التي طالها الدمار والخراب وتداعت جدرانها على جانبي الطريق، والمشهد نفسه يتكرر في بلدة حانويه، حيث المنازل المتواضعة تحولت إلى أطلال أصحابها يفتشون بين الركام عن ذكريات أطاحت بها طائرات العدوان الإسرائيلي، ولدى مدخل قانا حيث لا تكاد البلدة تودع حزناً حتى تستقبل آخر، الصمت يخيم على شوارعها وعيون المارة تجمد الدمع في مآقيها.

ولدى سؤالك عن مكان حدوث المجزرة ؟ يأتي الجواب سريعاً، هناك على حي الخريبة الواقع على التلة الشمالية الغربية من البلدة.

بضعة منازل متواضعة ومتناثرة على هذه التلة يتوسطها مسجد تشكل مجتمعة هذا الحي من بلدة قانا، لا شيء فيه يدل على أنه ثكنة عسكرية أو ومصدر خطر يهدد أمن الكيان الإسرائيلي.

وفي المكان ساحة صغيرة من المفترض أن تبقى ملعباً لأطفال لم يبلغوا سن الحلم فإذا بإسرائيل تحوله إلى مقبرة جماعية لأطفال لا يعرفون فنون الحرب ولعبة الأمم.

فتتحول تلك الساحة إلى حضن يضم أشلاءهم الممزقة ويحمل أسماء وأعمار الأطفال الشهداء هنا يرقد مهدي ويحيى وحوراء وزينب ولينا والقائمة طويلة بالأسماء أطفال لم يبق منهم سوى صور، يبتسم للزائرين قبرهم الجماعي، صور من دون حراك وابتسامات بريئة من دون صدى.

ويقول الحاج علي يونس وهو جالس بين ركام إحدى المنازل القريبة من المدفن مستحضرا ما تبقى له من ذكريات، مشيرا إلى المدفن « يرقد لي هنا سبعة من أحفادي وابنتي الوحيدة»، ويضيف «الاحتلال الصهيوني سرق مني أغلى ما يمكن أن يملكه الإنسان ابنتي وجميع أبنائها، لم يبق منهم أحد»، ويضرب بيده على رأسه ويقول: «هل هؤلاء الأطفال هم مخربون؟ ويردف قائلاً :

« الله وحده أقوى من جبروت إسرائيل»، وتغرورق عينا الحاج علي بالدمع ويحاول أن يحبسها فلم يستطع متابعا حديثه «أحفادي وابنتي هل أجسادهم وأشلاؤهم الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد، عجيب أمر هذا العالم الذي يصمت على هذه المجزرة ويقيم الدنيا ولا يقعدها من أجل جنديين إسرائيليين أين العدالة؟ أين الضمير؟

هل يحتاج المجتمع الدولي إلى أكثر من هذه الطفولة المذبوحة بالسكين الإسرائيلية كي يقتنع أن إسرائيل دولة إرهابية ؟»، ويصمت الحاج المثقل بالوجع والهم الذي لو ألقي على جبل لتصدّع.

وفي محيط المنازل المهدمة القريبة من المدفن الجماعي عجوز تتشح بالسواد جلست على كرسي أمام منزلها المدمر عرفت عن نفسها بالحاجة هدية أحمد هاشم شقيقة الشهيد إبراهيم هاشم وأم الشهيدة لينا علي شلهوب وجدة لسبعة شهداء قضوا جميعاً في مجزرة قانا الثانية .

وقبل أن نسأل الحاجة تقول : «بالله عليكم هل هؤلاء الأطفال وابنتي كانوا يحاربون إسرائيل؟ هل هم إرهابيون؟»، وتضيف ان «إسرائيل حرقت قلبي وخطفت مني ابنتي الوحيدة وأحفادي وأخي وأولاد أخي وأحفاده ماذا أقول لم يتركوا لي شيئاً»، وتابعت « لقد مات كل شيء لم نعد نقدر على البكاء على من نبكي على الأخ أم على الابنة أم ابن الابنة على من؟».

قانا ـ علي دياب: