ينتظر أن يفصل الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بداية الأسبوع المقبل في الجدل القائم حيال تعديل الدستور بالإعلان عن مسودة الدستور المعدل خلال اجتماع لمجلس الوزراء سيرأسه ويكون بداية لعودته إلى النشاط بعد عطلة دامت 45 يوما، فيما ترفض المعارضة التعديل وتعتبره إهانة للشعب والبلاد.

وقالت مصادر عليمة لـ »البيان« إن بوتفليقة سيكشف عن تاريخ الاستفتاء الشعبي الذي يرجح أن يكون في شهر نوفمبر المقبل. وحسب ذات المصادر فإن رئيس الحكومة عبدالعزيز بلخادم الذي كان أول من بادر بطرح موضوع تعديل الدستور بما يسمح لبوتفليقة بالبقاء في الحكم فترة أطول سيكون على رأس فريق التحضير السياسي والتقني لعملية الاستفتاء.

وسيقود بوتفليقة من جهته حملة الترويج الإعلامية مع عدد من قيادات حزب جبهة التحرير الوطني (الأغلبية) التي يرأسها شرفيا وعدد من الوزراء المنتمين لذات الحزب. وسيجوب كما جرت العادة في الاستفتاءات التي نظمها من قبل الولايات الرئيسية ذات الكثافة الانتخابية لاستمالة الناس إلى مشروعه.

في هذه الأثناء، ستدخل وزارة الداخلية في سباق ضد الساعة لإعداد قوائم انتخابية جديدة وتحديد مراكز ومكاتب الاقتراع وتوظيف الأعوان التنفيذيين للعملية. وقالت مصادر إن المؤسسات الرئيسية في الدولة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية تدعم مسعى بوتفليقة من أجل الاستقرار ومواصلة الإصلاحات الجارية في مجالات الاقتصاد والقضاء والتعليم، فضلا عن نهج السلم والمصالحة الذي فتحه مع التنظيمات المسلحة التي تحارب الحكومة منذ مطلع عام 1992.

وكان بوتفليقة أعلن في الرابع من يوليو الماضي في خطابه السنوي أمام قيادات الجيش في مقر وزارة الدفاع الوطني بأنه قرر تعديل الدستور بما يوضح طبيعة الحكم في البلاد ويملأ بعض الفجوات في الدستور المعمول به حاليا. وقال وقتها إن الدستور الجديد سيوسع الحريات ويضمنها أكثر.

لكن المعارضة ترى العكس وتعتقد أن أساس التعديل هو حذف المادة 74 التي تمنع الرئيس من الترشح أكثر من مرتين حتى يتسنى لبوتفليقة البقاء في المنصب بعد نهاية فترته الرئاسية الثانية. واعتبر مسؤول الإعلام في جبهة القوى الاشتراكية (كبرى أحزاب المعارضة الجزائرية) كريم طابو ان تعديل الدستور يشكل خروجا عن القانون لأن من طرحوه يقصدون فقط التمديد للرئيس وضمان بقاء الغطاء الذي يعزز مكاسبهم الشخصية ومواقعهم وسيطرتهم على ثروات البلاد.

وقال طابو لـ »البيان« إن حزبه الذي يقوده الزعيم التاريخي في ثورة الجزائر حسين آيت أحمد »يتهم بوتفليقة بالسطو على إرادة الشعب من خلال تزوير هذه الإرادة. فقبل عشرة أعوام صوت الجزائريون على دستور يحدد الفترة الرئاسية في خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة، واليوم يريد بوتفليقة أن يبرز للعالم أن هذا الشعب مغفل لأنه سيصوت على دستور آخر يعاكس تماما ما كان قرره في العام 1996«.

أما الأمين العام بالنيابة للحركة الاجتماعية الديمقراطية اليسارية أحمد ملياني فقال بأن الدستور الحالي يتضمن فعلا نقائص ربما وجب معالجتها لكن على أن لا يكون ذلك غطاء للخروج بدستور جديد أكثر تخلفا. وتحدى السلطة أن تجري التغييرات التي تقول بأنها تعزز الحريات دون أن تمس بالمادة 74 التي تحدد الرئاسة في فترتين فقط وكذا المادة التي تخص محاكمة رئيس الجمهورية في حال الخطأ الجسيم.

واعتبر القيادي بالتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية جمال فرج الله التعديل إهانة للجزائريين، والاستفتاء هو تلميع للوجه القبيح المتسم بالتسلط الذي يعمل به الفريق الحاكم. ولم يستبعد إعلان نتيجة تفوق 80 بالمئة من »نعم« كما هو الشأن بالنسبة للاستفتاءات السابقة ولاستفتاءات العالم الثالث عموما.. فالاستفتاء سيكرس التخلف بالتأكيد لأن التخلف السياسي هو البيئة التي يمكن في ظلها بقاء الاستئثار بالسلطة كما هو جار حاليا.

أما التجمع الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه رئيس الحكومة المستقيل أحمد أويحيى فثبت على موقعه الراغب في التمديد للرئيس بوتفليقة دون اللجوء إلى استفتاء شعبي على الدستور.

وقال مسؤول في الحزب فضل عدم نشر اسمه بأن الاستفتاء على الدستور عار واستغفال للجزائريين. وإن الرئيس بوتفليقة هو الرجل المناسب لقيادة البلاد حاليا وحتى لخمس سنوات أخرى لضمان الاستقرار وتفادي المآزق السياسية لكن ذلك كان يمكن أن يمر بلا تهريج وكان من الممكن كسب معظم أصوات الطبقة السياسية لهذا التمديد.

وتعتبر جبهة التحرير الوطني القوة السياسية الوحيدة التي ترغب في إلغاء المواد المتصلة بتحديد الفترة الرئاسية بعشر سنوات كأقصى حد وبإلغاء المواد التي تسمح بمحاكمة الرئيس في حالة الخطأ الجسيم. وسبق أن أعدت الجبهة مسودة دستور جديد تضمنت هذه التعديلات، إلى جانب توسيع صلاحيات الرئيس بما يجعله الحاكم الوحيد للبلاد بينما تكون مؤسسات الدولة الأخرى مجرد هيئات مساعدة لا أكثر.

من جانبها، انقسمت جبهة التحرير على نفسها في الأيام الأخيرة، فالأمين العام الأسبق بوعلام بن حمودة يقود، معززا بعدد كبير من الكوادر القديمة، فريقا ضد مساعي التعديل فيما يقود الأمين العام الحالي عبدالعزيز فريقا آخر سيكون سلاح بوتفليقة في تحقيق غرضه. ولا يستبعد أن تشهد الأيام المقبلة مواجهة ساخنة بين الفريقين.