أداء الجنود الإسرائيليين الفاشل داخل القرى، هو حديث ناس الجنوب اليوم، ولاسيما أهالي بلدتي فرون والغندورية الواقعتين على كتف وادي الحجير جنوب الليطاني، حيث وقعت معارك ضارية سقط خلالها عشرات الإسرائيليين بين قتيل وجريح واستحقت المنطقة لقب «وادي الموت».

وخير دليل على الثغرات التي اعترت أداء الإسرائيليين شهادة عائلة رمضان من بلدة فرون التي أمضت ثلاثة أيام محاصرة في غرفة ضيقة أسفل منزل مؤلف من طابقين، فيما يقبع سبعون جندياً إسرائيلياً فوقهم في الطابق العلوي من دون أن يلحظوا وجود المدنيين الخمسة المختبئين ودون أن يكلفوا أنفسهم أو بالأحرى أن يجرأوا على النزول إلى الأسفل للكشف عن محيط المنزل الذي تمترسوا فيه وحولوه إلى فندق للنوم ومنصة لإطلاق نيرانهم على المقاومين.

محمد رمضان وابن شقيقه علي وجيرانهما الثلاثة، بقوا تحت أقدام الإسرائيليين طيلة ثلاثة أيام بلياليها يئنون من الجوع والعطش والحر الشديد كما يروي محمد رمضان، القروي الذي يعيش من أبقاره وهو أب لأحد عشر ولداً غالبيتهم من طلاب الجامعات.

بعد عشرة أيام من انطلاق المعارك غادر معظم أهالي فرون بلدتهم بمن فيهم عائلة رمضان، وفضل بعض الرعاة البقاء لإطعام ماشيتهم وأبقارهم التي تشكل بالنسبة لهم جني العمر كله كي لا تنفق من الجوع والعطش. بعد أن غادرت فاطمة زوجة علي القرية مع والدها المسن والمريض واجتازت نهر الليطاني سيراً على الأقدام لأربع ساعات تحت وابل النيران والطائرات،

انتقل الزوج مع صديقه الذي يربي مثله الأبقار أيضاً وابن شقيقه علي رمضان إلى منزل أحد السكان الآمن باعتقادهم كونه يضم طابقاً سفلياً، وما هي إلا ساعات حتى التحق بهم رجل آخر وزوجته بعد أن أخلوهما المقاومين من منزلهما المكشوف على الوادي، افترشوا أرض الغرفة السفلية الضيقة وراحوا يعدون الصواريخ المنهمرة على قريتهم منتظرين دورهم، عند الثالثة فجراً بالتحديد سقطت قذائف قريبة جداً من المنزل.

وقال محمد رمضان (أبو قاسم): نهضنا وبدأنا نقرأ الشهادة استعداداً لملاقاة حتفنا، بعد دقائق سمعنا أصواتاً وصخباً وضجة، تنصتنا جيداً وإذا بنا نسمع لغة غير مفهومة أدركنا أنهم الإسرائيليون كانوا يتحدثون بالعبرية والعربية رددوا كثيراً كلمة كاتيوشا وحزب الله عبر أجهزتهم،

تكومنا كلنا في الزاوية وفتحنا البوابة حتى لا يظنوننا مقاومين ويطلقون علينا النار، حركوا مقاعد الغرفة وأسرتها في كل اتجاه فوقنا ونحن نشعر بثقل أصواتها تخرق آذاننا، مع طلوع الفجر سمعنا حركة قرب المدخل تجمدنا خوفاً وإذا به كلب يرافق الإسرائيليين يقتحم المخبأ، نبح بوجهنا مرة واحدة ثم عاد وصعد إلى الجنود، اعتقدنا أنه كشف أمرنا لكن أحدهم ركله بقوة فراح ينبح من الألم لدقائق، هدأت الضجة ولم ينزل أحد إلينا.

وتابع« أمضينا يومنا الأول نترقب أن يقتحم الجنود الغرفة في كل لحظة ويقوموا بتصفيتنا، كان معنا ثلاث علب تونا وقنينة مياه واحدة، فتحنا علبة في اليوم الأول وقسمناها على الخمسة وبدأنا نقنن في المياه حيث يسمح لكل منا بشرب فنجان صغير يومياً كي تكفينا للأيام الباقية، أغلقنا البوابة مع هبوط الليل وتوجهنا إلى ربنا بالأدعية وقراءة القرآن كي ينجينا من محنتنا».

وتابع «بقينا على هذه الحال من الضيق والحصار حتى فجر اليوم الرابع، لم نعد نسمع شيئاً قررت فتح البوابة والخروج عارضني من كان معي فألححت عليهم وطلبت منهم ألا يعرضوا أنفسهم للخطر قبل أن أستطلع الطريق، تقدمت بهدوء نحو الدرج فلم أسمع شيئاً، صعدت إلى فوق فوجدت باب المنزل حيث كانوا يتمركزون مفتوحاً وفارغاً،

خطوت نحو الشارع وأنا غير مصدق فإذا بشاب من المقاومة يقترب مني ليخبرني بأنهم انسحبوا مساءً وأخبرني أنهم كانوا نحو 500 جندي تمركزوا في بيتين متلاصقين من شدة غبائهم وقال لي بفخر هؤلاء لا يعرفون من القتال شيئاً، طائراتهم تغير على القرى ويخرجون هم كالفئران ليحتفلوا بالنصر، كبدناهم خسائر فادحة خرجوا كالكلاب ولم يعد هناك إسرائيليون في البلدة».

وأضاف «عدت مسرعاً نحو المخبأ أبلغتهم فخرجوا وهم مثلي لا يصدقون بأن حياة جديدة كتبت لهم، بكينا جميعنا وهنأنا بعضنا بالسلامة وتفرقنا كل منا باتجاه منزله لنتفقد تعب عمرنا وأرزاقنا». بعد عودة الأهالي إلى فرون دخل حيدر حايك منزله الذي سكن فيه المدنيون مع الإسرائيليين فوجده منهوباً محطماً كما باقي منازل القرية، أطلقوا النار في كل اتجاه على الثلاجة والخزائن، سدوا النوافذ بقطع الأثاث الكبيرة خوفاً من المقاومة،

كانت لا تزال هناك آثار أكياس مصل ودماء على الأرض، كانوا ينامون في الحمامات كما اتضح من شدة الخوف «إنهم شعب بمنتهى القذارة والفظاظة» وقالت فاطمة شقيقة حايك التي تجول بين غرف المنزل مشمئزة من الفوضى والروائح الكريهة التي خلفتها أجسادهم «من يرى المنزل لا يصدق أن بشراً مروا من هنا بل حيوانات متوحشة لم تسكن يوماً المنازل ولم تعرف للأماكن حرمة».

بيروت ـ ثناء عطوي: